الاسم كلمة السر


إضغط هنا

خالدون

إضغط هنا

نجم في سماء الوطن

إضغط هنا

نشرات البلد
 
ذو القعدة 24 1435 10:38 (18 سبتمبر 2014)
موضوعات المنتديات
أحدث الموضوعات
25. حرف
التصفح
البحث في الموقع

حالة الطقس في السويداء
Click for Sweida, Syria Forecast
...
مشاهدة الموضوع
المتواجدون هنا؟ 1 ضيف/ضيوف
المتواجدون هنا؟ 1 ضيف/ضيوف
 طباعة الموضوع
أبنـاء النـور عبـر العصـور
منهل نادر
[center][font=Arial]

________________________________________
كلمة إفتتاحية
من مبادئ التوحيد
إلى توحيد المبادئ
ها نحن على مائدة الضحى التوحيدية نستلهم مسارها الفكري، وقد رعاها بمبادئ العقلانية التوحيدية، سماحة الشيخ بهجت غيث، وأخوانه الغواصون في لجج المعرفة وآفاق أعماقها، الموصلة إلى سدرة المنتهى وجنة المأوى. ولا بد للغوص الفارد من خلع قميص الأمس، كلما انتقل إلى وجه الغد، وجه الرحمن / وجه الإنسان.
في هذا العقد الأخير من الألف الثاني، تفردت مجلة الضحى – خارج سرب المجلات والجرائد اليومية – بطرق ما لم يطرق بعد، في عالم المعرفة الرفيعة، فانتظمت في أعدادها منذ أوائل التسعينات بتقديم مقالات فكرية وفلسفية متتالية كحبات العقد التي جمعها سلك الوعي العقلاني التاريخي لتسلسل مراحل فهم دروس التوحيد الأزلية منذ فجر وجود البشرية (مشاهد تأخذنا من أتلانتس ذاكرة التوحيد النسية إلى مصر الحكمة الهرمسية عبر مدارس اليونان التوحيدية إنتهاءاً إلى رحلة الأديان السماوية) ودون سابق قصد وتصميم لتأليف كتاب تآلفت مقالات الأبحاث الروحية والتحقيقات الفلسفية والفكرية وحكت قصة رحلة شعاع النور عبر ظلمات العصور وتوحدت في هذا الكتاب الموحد لحقائق الأديان المتعددة كاشفاً الأقنعة عن حقيقتها الواحدة
إنها رحلة توحيدية، بل مسافرة عقلية، تقرع أبواب القرن المقبل من الألفية الثالثة: رحلة التقمص، ولا يغتسل أحد في نهر جوهره إلا كقطرة وبلمح البصر
يطمح واضعو هذا الكتاب الروحاني، إلى تقديم مختصر رشيد، لعشر سنوات من الجهد والكدح على طريق التفاكر والتذاكر المترفع، يوماً يوماً، لعل أخوان الحق والوفاء يعاودون الهجرة الكبرى من ذات الهجود إلى ذات الوجود.
إنه شاهد المعاني الوثقى، ينطوي على كلمات لم تعد مألوفة في المنعجر السياسي أو الثقافي لجماعات بشرية تآكلها ما كان بالأمس قوتها وموتها! وها هي مبادئ التوحيد رحلة معرفية، بل عرفانية، من نون الغنوص، ومن يونان ذي النون إلى حميم الحلاج... إلى كل موحد مستوحد في آخر هذا العصر، في بحثه عن درة في لؤلؤ ذاته – بعد طرح صدفه على شاطئ التحولات.

بقلم الدكتور خليل أحمد خليل
________________________________________
مبادئ التوحيد
التقمص
التقمص، العودة للتجسد، الولادة ثانية، تعدد حيوات العقل، بقاء النفس، خلود الروح، العلاقة بين العقل والروح، والروح والعقل، الجسد وتجاذبه بين النفس والروح والعقل، الجوهر، الشخصية، الذات. الجسد وتجاذبه بين النفس والروح والعقل، الجوهر، الشخصية، الذات. الجسد المتعدد الخواص والأغراض، بحسب صفاء النفس التي تسكنه، والروح التي تحركه، الأثير، عالم العقل، عالم النفس، عالم الكل في الكل، الجزء في الجزء، والكل في الجزء، مغناطيسية الكليات على الجزئيات، ومحاور الحركة بالعقل المحرك، لأنه الألطف ومركز النظام الإلهي في الكون، والموجودات، والكائنات، الأنا الفردية، الأنا الجمعية، الأنا الكلية، الأنا الأدنى وغريزة الموت في الأنا الأعلى، الصيرورة، والسيرورة الوجود كخلق، والوجود كتحد للعدم، السر، السريرة، الإسراء في جاذبية الوجودية نحو الأنا في ال هو وتحقق التجلي عبر معراج القداسة في السلوك السامي نحو الأسمى وسماء الكل الذي هو قدر الكل معلم الكل بالعلم اللدني، المعية الكلية، الدائمة الفيض بغير واسطة ولا انقطاع، على الوعي المحض، العقل السفلي، والنور الأزلي، منار السالكين، وصراط العارفين، عشاق الأزل الذي مخروا بحر الأمل بسفن العمل، معراجهم في جوهرهم وجوهرهم حب الهجرة من العالم المقصر في شوقهم للملأ الأعلى، إلى عالم الحق والحقيقة، حيث الخير، وأهل الخير، الموحدون في محراب التحلي بالعقل الساطع، والإيمان القاطع، في النفس الجوهرية، المتعلقة بعلتها ومعلها الله الحاكم فيها وبها وعليها بحكمته، أحكم في كل موجود علته فكان الأصل في أصله والجوهر في شاكلته وشكله. فالله منه نقطة القلم ومداد الكل في الكل على الكل حيث يحرك الكل بحكمته لتحقيق حقيقتهم بنعمة الحكمة العقلانية من باسمك اللهم سبحانك لك الحمد وليوليك نبراس سراج ذاتك جل ذكرك الشكر.
عصر إحقاق الحق:
فعلى مداد هذه الرحى الروحية، ذات الدورات الكونية، سنسرع إذا شاء من له المشيئة فيا في كينونتنا، وآيلتنا في تشريح، وتفسير، وتحقيق، وتعليق ما يتناول هذه الموضوعات، وما يتصل بها ويتعلق بمادتها، تاريخيا، دينيا، علمياً، اسطوريا، فروحيا وبتطور مفاهيمها عبر المؤمنين بها والمحايدين فالناقدين حتى نعطي الدارس موضوعا موضوعيا عن كل منها فلا تبقى الحقائق حبيسة العقول المغلقة، فمن حق الحق أن يحق، وإلا صار وهما. ومن واجب الحقيقة أن تجب وتصبح واجبة الإيجاب. وإلا صارت ضلالا، كذلك يجب أن تخضع كل معرفة لمحكمة العقل، لتدافع دائما عن أزلية حقيقتها. لتكون بحق معرفة أزلية خالدة. فلا تخرقها سهام الناقدين ولا تمزقها اعتراضات المعارضين فمن حق الإنسان في هذا العصر، أن يتصل بالمعرفة بشكل مستقيم ويتناول العلم خالصا نقيا مباشرا، كالجوهر الخالص الذي لا يمازجه العرض والماس الذي لا يخالطه التراب. لأن حياة الفرد قصيرة وموجاته كثيرة وواجباته من كل صوب تدعوه إلى السرعة والدقة والحكمة والإحكام في كل ما يأتيه من قول وعمل، لأنه أصبح في مواجهة عالم الحق وعالم الصدق، بعد أن أنهكته الدهور، بعلوم يختلط الكثير من ظلها بالقليل من نور أصلها فضاع الكثير من عمر البشرية سدى وضلالا.
مفرق خطير:
ونحن الآن على مفرق خطير، لا بد لنا من التقرير على صيرورة المصير فلا تجرفنا الآمال الفارغة ولا تخيفنا المصاعب العارضة عن السلوك الأقوم في صدق العزم والعزيمة. لنصل الماضي لمنير، بالمستقبل المشرق. فندفع ضريبة الوجود التصاعدي بالتضحية بكل ما هو أدنى في سبيل ما هو أسمى حتى نحقق الإنسان في ذاتنا ونستشعر إنسانيتنا في كل مدركاتنا لكي نستمر في السمو والصعود إلى العالم الأعلى الذي نحن أهل له بما فطر فينا سبحانه من مناقب عالية وسجايا دقيقة هي من قدس أقداس الذات في مثالات الكمالات. فالإنسان العاقل محكوم بالتسامي والمعراج الدائم عبر محاسبة النفس، وتعقيل العقل، وتقليب القلب، وتجسيد الجسد فيما يرضي الأنا الأعلى في ذاته الذي هو مستودع كل الفضائل وكنز كل المناقب في كل خلجة من روحه، ونضبة من قلبه، ورعشة من جسده، صوت الأعلى في الأدنى وحكم الأسمى بالأسفل صوت الله الخفي في لطيفنا. والميزان الذي يذكرنا دائما بنقصنا. كلما غلب علينا الجهل أو فرطنا في واجبنا نحو مؤصلنا في الأصل وجابلنا بجوهر العقل. ضمير الكون وضميرنا الشخصي الذي هو جذوة منه وسنا من برقه.
التقمص نعمة المؤمن:
الإنسان المؤمن، يتقمص، يتجدد، يتعالى فيكون يومه خيرا من أمسه وغده خيرا من يومه لأنه يعيش المعراج السماوي، والصيرورة الدنيوية، والسيرورة نحو أهل الحق الذين يتوق لرفقتهم ومعيتهم فهو في جهاد متواصل، وجد دائم في مجمع حيواته ليكون سابقا لا مسبوقا وأولا لا آخراً، يحاسب نفسه على التقصير. ويصير ويصابر على كل جلل وعسير. حتى ينال أعلى المنازل ويثاب أفضل الثواب ويصير إلى أحسن مصير. في حياته كون مجتهدا فلا يضيع عمره سدى بل يطلب كل كمال ويتكامل بالكمال الاكمل في كل حق وخير وفضل وفضيلة وفي مماته وبعد وفاته ينال المنزلة الأسمى والدرجة الأعلى فيكون دائماً متدرجا في الحقيقة، دارجا في الحق لأن صراطه الصدق مع خالقه وأهله واخوانه، لا تلهيه السفاسف، ولا تخيفه الرواجف.
أما الجاحد المعاند المكابر الكافر فقد اسبتدل الأنا بالأنانية. والغيرة بالغيرية. فهو حسود لدود يحب نفسه، يبغض غيره، يمنع خبره عن نفسه فكيف عن سواه. يتعالى على الناس. يرذل عقله ويدنس حواسه. الذكاء عنده مصلحة والدين في عرفه مصيدة. لا يضمر الخير لخلافه. ولا يبطن النصح لإخوانه، ولكن يتلاشى في ذات نفسه، وفي ذات جنسه. كالثمرة العفنة، التي تسقط من أمها الشجرة. فهي تزداد فسادا على فساد. وعفنا على عفن. حتى تعود إلى ترابها.
فالجاحد المعاند وإن كان بعد موته، يرتدي جسداً جديداً لكنه جسد يغلب عرضه جوهر النفس، فينحدر بصاحبه من التعاسة، إلى التعس، ومن السقوط إلى الوكس، لأنه خرج عن مداد أصله، وجعل هواه وحواسه دليله، بغير هدى عقله، فباع دينه بدنياه فكان وجوده سدى وبصره عمى.
التقمص الكوني (الرحلة بين المبدأ والمعاد) راجع الضحى العدد الرابع والستون – حزيران 1997.
لماذا التقمص؟
تتفق معظم الديانات على أبدية الروح. البعض يقول أن الروح تنتقل بعد الموت إلى السماء. والبعض الآخر يعتقد أنها تحوم حول عرش الله في السموات أو تسكن في أعماق الأرض. وهناك أيضاً من يعتقد أنها لا تغادر الجسد قط بل تبقى فيه إما في حالة من العذاب والألم وإما في حالة من العذاب والألم وإما في حالة من الراحة والنعيم.
قد يبدو الأمر زائداً في الطموح من قبلنا إذا قدمنا عقيدة التوحيد في ما يختص بالروح على طريقة تقديم نظرية علمية، لأن ذلك يحتاج إلى تقديم أدلة حسية ملموسة عما هو روحي أو أثيري. ولكن من الطبيعي أن يتعامل الموحدون مع واقع التقمص كواقع علمي مؤكد، يرتقي إلى قمة المنطق الإنساني، الذي يعزو إليه العلماء أي تقدم علمي.
لسوء الحظ، ما زالت التكنولوجيا الحديثة عاجزة (لحد الآن) عن رصد مسيرة الروح بعد الموت. ولا زالت عاجزة أيضاً عن إحياء الجسد بعد الموت وبعد مغادرة الروح له. وغني عن القول أن الأثير، حتى بالنسبة إلى أتباع النظرية القائلة بالذرة، ما زال مادة مجهولة التكوين فما قولك بمادة الروح.
باختصار:
إن في الحياة والموت لحقيقة قاطعة، ولكن لا يمكن فهم كنهها إلا برجوع كل إلى منطقه.
إن من آمن بوجود نظام وقانون لهذا الكون، وأقر بوجود العدل الإلهي، فلا بد له أن يتأمل في منطق التقمص أو يعيره اهتمامه على الأقل.
إن جميع الأديان تؤمن بالعدل الإلهي المطلق. حتى العلماء يقرون بوجود نوع من العدالة في القوانين الفيزيائية الصرفة. هذا العدل، إذا نظر إليه من المنظار البشري، يوحي بأن الله، أو مكون هذا الكون، قد وهب الإنسان المساواة في الفرص والحرية في التصرف للوصول إلى الهدف الذي قد يختار.
في منطق العقل، الفرص والأهداف التي نتكلم عنها لا تكون إلا بالمعرفة، والمعرفة في المعنى التوحيدي لا تعني المعرفة التي نجنيها من التعلم والخبرة في الأمور الحياتية، بل هي نوع من الوعي الروحي لماهية الله والتي لا تتحقق إلا عبر الإيمان بالأبدية. والأبدية في فلسفة التوحيد تجسد طبيعة الـ لوغوس أي العقل الكلي (العقل الأرفع) الذي يبقى مع الوحدانية ولا يتغير مع تغيرات المادة والفكر. ولذلك قيل المعرفة من ذاتك لذاتك لا سماع ولا حفظ.
ومع ذلك، وحتى بالنسبة للذين يعتقدون أن المعرفة هي مجرد اكتساب علمي وخبراتي ويعتبرون أن الفرص تتمحور حول الثروة المادية والصحة والوظيفة والسلطة والشهرة وباقي المكتسبات الدنيوية، فإن حقيقة التقمص ما زالت الدليل الأكثر عقلانية للعدالة الإلهية.
هذه الحقيقة التوحيدية مبنية على أسس بديهة لا تقبل الجدل:
1- تلك التي يشار إليها فلسفياً بالـ النفس الإنسانية العاقلة لا تستطيع التعبير عن وجودها من دون آلتها، الجسد. من دون الجسد تفقد نفس الإنسان هويتها. فلا يمكن أن يتصور العقل هوية شيء لا يمتلك صورة تعبر عن وجوده، فحتى الأثير له صورة تميزه من الأشياء الأخرى. فإذا قلنا إن النفس تلبس جسداً أثيريا عند الموت، فما يميز إذا النفس عن الأثير؟ ببساطة، إن النفس لم توجد لتتلاشى كهواء لطيف. فمقتضى وجودها في الجسد أصلاً لا يمكن أن يكون شيئاً عابراً، بل قانوناً إلهياً وجد ليبقى. فمن غير المنطقي تجاهل هذا القانون في مفاهيمنا للحياة ومراحل تجددها بعد الموت وقوانين الثواب والعقاب والجنة والنار والعدل الإلهي...
2- من البديهي أن النفوس تختلف عن بعضها في طبائعها كما يختلف الأشخاص في مظاهرهم، وهذا الاستنتاج هو أبسط ما يمكن استخلاصه عبر تجربتنا الحسية، فلا يكاد يلتقي اثنان على شيء حتى يختلفا على شيء آخر. لتحقيق الهوية الفردية، ينبغي على كل نفس أن تمتلك شكلاً مادياً أو بتعبير آخر، ينبغي أن تملأ فراغاً ما في الزمان والمكان. من دون وجود كهذا تخسر النفس كينونتها وبالتالي فردانيتها ودورها في الزمان والمكان.
3- إن المعرفة من أي نوع كانت لا تتم أو تحصل من دون جود في العالم المادي. المعرفة لا يمكن أن تكون حول لا شيء. حتى الأثير (وهو أقرب ما يمكن تصوره إذا أردنا تصور الـ لا شيء) يبقى شيئا يمكن تمييزه من باقي الأشياء. إذا فالـ "معرفة" تستوجب وجود "عارف" و "معروف". فبدون وجود الروح في آلة تسمح لها أن تختبر هاتي الحالتين (أي أن تكون لنفسها في موقف العارف ولغيرها في موقف المعروف)، تصبح الروح غير معنية بشيء اسمه معرفة.
قد تختبر الروح "المعرفة" في حالة وعي مختلفة عن اليقظة، وبتعبير آخر، باستطاعة المرء تذكر طفولته عبر حلم أو محاولة معرفة مستقبلية عبر رؤية، ولكن معرفة كهذه لا يمكن أن تفهم إذ لم ترتبط بنفس الحالم كـ "إنسان" أو كـ "فرد" موجود في الزمان والمكان 0 في عالم يؤمـن له استمرارية مـا تسمح لهذا الحلم أو الرؤية بأن يكون جزءاً منه ومن حياته.
4- من دون وجودها في قالب مادي، لا يمكن للنفس أن تختبر أي معرفة للخير أو الشر. فأي معرفة للخير أو الشر. فأي معرفة كهذه تتطلب استمرارية في العالم المادي تؤمن للعقل فرصة التمييز والمقارنة بين الأشياء والتجارب الحسية لاستخلاص مفهوم معقد كمفهوم الخير أو الشر. فلا يتصور العقل شراً مستقلاً عن تصوراته لوجوده الجسدي في الزمان والمكان أو لأحداث مرتبطة بهذا الوجود.
5- النفس إذا ما انعدم وجودها في عالم يؤمن لها استمرارية لا يمكن الحكم عليها، وبعبارة أخرى، لا يمكن الحكم على أحد اعتماداً على نتف عشوائية من المعرفة اختبرها في عوالم أثيرية. فأي نوع من الحكم لا يكون ملائماً إلا في عالم حيث ثمة قصة في حالة تطور. وأكثر من ذلك، لا يعني ذاك الحكم شيئاً لأي فرد ولا يحقق له شيئاً إلا إذا جاء نتيجة قصة يعرفها ويشارك في صنعها.
وبالتالي فإن الهوية الروحية، والتعبير والحكم من أي نوع يعتمد على حضور النفس في عالم الاستمرارية. فقد عبر عالم كهذا تستطيع النفس اختبار فردانيتها، وتحصل المعرفة ويحكم على أعمالها.
في بعض الحالات تتحقق امكانية ترقي النفس إلى معارج من الوعي بحيث تخلع عنها أثواب الجهل وتتخلص من كثافة الأفكار والأحاسيس المظلمة، وقد تختبر النفس لحظات من النقاء حيث تفقد إدراكها للحضور الزمكاني وتسبح في عالم الأحدية المطلق، عالمها الأصلي (أي عالم الخلود)، ومع ذلك، ليس ثمة مفر من وعيها لثنائية الطبيعة البشرية، وهو الوعي الذي يميز بين البشر والإله (أي بين القديم والحديث وبين الصانع والصنعة). ومهما توصلت النفس في قربها لتحقيق الوحدة مع الذات، فإنها تظل تحافظ على كينونتها ودورها في الزمان والمكان كي تظل أبداً واعية لذاتها، وإلا لم تعد نفساً، وهذا أبسط حق يمنحه الله للإنسان وهو الحق بالوجود والاستمرارية.
لذا فإن حقيقة التقمص مبنية على واقع ارتباط اللطيف بالكثيف (وكل منا يملك الأدلة على صحته) وهو أن الروح والجسد لا غنى لأحدهما عن الآخر. فجسد بلا روح جسد ميت وروح بلا جسد هي لا شيء. فبما أن وجود النفس أزلي وبما أن هذه الأزلية لا تتحقق وتكون جزءاً من المعرفة إلا من خلال آلة التعبير عن الوجود (الجسد)، فلا بد من أن تتقمص الروح جسداً جديداً عند الموت وتتخذ آلة جديدة بعد تعذر الاستمرار في الآلة القديمة لسبب أو لآخر.
فلسفة التوحيد هي كالنور، بسيطة ولكن غالبة. لو شاء الله تعالى، لخلق الإنسان روحا مجردة، خالدة تعيش في عالم خيالي خال من المادة والأبعاد أو خلقه جثة تعمل ميكانيكياً غريزياً بفراغ روحي. لكنه خلقه روحاً في جسد، وأراده أن يعيش في مثل عالمنا ويكتسب العلم والمعرفة من خلاله فلا بد من وجود حكمة ما وراء مشيئته، ولا بد أن ثنائية الإنسان (أي كونه مادة وروحاً في آن معاً) تخدم الهدف الإلهي الأسمى من هذا الخلق وهو المعرفة. وبذلك نطق الكتاب وما خلقنا الجن والإنس إلا ليعبدون (أي ليعرفون)
ولكن، إذا كانت هذه الثنائية تخدم الهدف الأسمى ألا وهو معرفة الله من خلال معرفة النفس، بل والحساب على أساس هذه المعرفة، كما هو الحال في معظم الديانات السماوية، فلا بد من التساؤل:
هل أن خبرة حياة واحدة كالتي نحياها كافية لمثل هذه المعرفة؟
قد لا يكفينا مجلد إذا أردنا تعداد الاختلاف في الفرص الممنوحة للعالم على اختلاف وتنوع حالاتهم مجموعات وأفراداً. فهناك من يولد فاحش الثراء وآخر فقيراً معدماً. وهناك م يمضي حياته في هدوء وطمأنينة في أحد معابد الهند وغيره يعيش حياة عشوائية فوضوية في نيويورك مثلا. وغيرهما من يفتح عينيه على الشهرة والنجومية وآخرون على الذل والعبودية. وهناك من يفتح عينيه فلا يرى قط لأنه ولد أعمى وغيره يولدون أصحاء. وهناك من يموت قبل ولادته وهناك من يعمر ليرى أحفاده يكبرون. وهناك من يموت ميتة طبيعية وغيره يموت بفاجعة وغير ذلك من تعدد مظاهر الاختلاف والتنوع في الجماعات والأفراد.
لو أن الإنسان يستطيع أن يزعم أنه راض عما قدمته له الحياة من فرص أو تقدمه، لما كنا بحاجة إلى الفلسفة والدين وبالأخص إلى عقيدة تثير الجدل كعقيدة التقمص. وحتى ولو وجد دين أو فلسفة، لما نظر إليها الإنسان بأكثر من نظرته إلى القصص والروايات التي تغص بها المكتبات ولكان المعلمون الروحيون والحكماء والفقهاء والأنبياء والأئمة مجرد شخصيات روائية.
هل أن كل فرد راض تماماً عن الفرص التي تقدمها الحياة له؟

لا أحد يستطيع أن يزعم أنه لم يتساءل يوماً عن صحة العدل الإلهي وأنه لم يطلب يوماً سبباً لما يراه إجحافاً بحقه في هذه الحياة، مرة واحدة في حياته على الأقل. ويأتي فوق كل ذلك، الإحساس بالذنب والخوف الذي تعاني منه بسيكولوجية الفرد فيما يتعلق بالجنة والنار واللعنة الأبدية وما شابه مما يطرح سلسلة من التساؤلات التي لا يمكن الإجابة عنها بغير ثبات واقع التقمص. تبعاً لأي مقياس تحاكم روح طفل رضيع بعد موته؟ هل كانت له أي فرصة في الحياة على الإطلاق؟ هل قام بأي عمل صالحاً كان أم طالحاً كي تحاكم روحه على أساسه؟
إن عقل الإنسان هو أهم ميزاته، كما أنه (أي العقل) غاني دون أي شك، أي أن جميع عملياته وحركته موجهة نحو غاية ما. فهو في كثير من الأحيان يطرح أسئلة تبدو الإجابة عنها فوق طاقته. فأرسطوطاليس (وهو واضع أسس المنطق) يعترف بهذه الميزة ويعزوها إلى شغف الإنسان بالمعرفة. هذا الشغف المتمثل بطبيعة الفكر لا يمكن إلغاؤه. وكذلك لا يمكن الإجابة فوراً عن سؤال مثل: "لماذا ولدت أعمى؟" أو "ما هو السبب الأسمى للوجود البشري؟" على الإنسان أن يمر بعدة اختبارات في الحياة قبل أن يخلص إلى نتيجة مقبولة للإجابة عن هذه الأسئلة. وقليلون جداً أولئك الذين تصادفهم تجارب تقلب حياتهم رأساً على عقب فتأتي إليهم بالمعرفة المفاجئة التي يسميها أرسطو "الإشراق الفكري". حتى الكبار في السن الذين يعتبرون أنفسهم ممن اكتسبوا من خبرة الحياة زبدتها، نادراً ما يجدون جواباً لتلك الأسئلة التي حملوها معهم منذ صباهم، لكنهم مع ذلك، وحتى النفس الأخير، يظلون يأملون أنهم قد يحصلون على جواب قبل موتهم.
لو نظرنا إلى الحياة البشرية من منظار مادي صرف للخصناها بكون الإنسان يولد، يحيا، يموت، أما لو نظرنا من المنظار النفسي (العقلي) لوجدنا دائماً أن هنالك حلقة مفقودة. فالرواية العقلية التي تلون بصبغتها تجارب الإنسان الحياتية والذاكرة التي تبقى عند انتهاء الحياة تبدو وكأنها قطعت فجأة قبل الوصول إلى نهايتها. فتجد كهلاً على حافة الموت يتساءل: "ما معنى هذه الحياة التي وعدتنا يوماً بجواب؟ ما هو مصير ذلك الصوت الذي كان يوحي دائماً بكل تلك الأسئلة؟" تخيل انقطاع التيار الكهربائي في صالة السينما والفيلم ما زال في نصفه ثم تخيل عقلا توقف عن العمل أي لم يعد له وجود قبل أن يصل إلى إجابة عن أكثر الأسئلة إلحاحاً والأمنيات وحياً. إذا كان باستطاعة مخرجي هوليوود ومنتجيها أن يأتوا بفيلم لمدة ساعتين يجيب عن كافة الأسئلة التي تدور في ذهن المشاهد يدعك تخرج من صالة السينما وأنت راض تماماً لا يجول في ذهنك أي تساؤل أو معارضة لمنطق أحداث الفيلم أفلا يستطيع الله أن يأتي بمثل هذه التجربة؟ هل يستطيع أحد أن يخرجك من الصالة قبل انتهاء العرض؟ أيكون ذلك عدلاً لو فعل؟ هل من العدل أن يأخذ الله روحا إلى المحاكمة الأبدية قبل أن يتيح لها إتمام تجاربها ومعرفة كل الإجابات؟ أيجوز أن نتهم الله باللا عدل لأنه منحنا حرية اختيار ما نؤمن به؟
من السهل جداً أن نلوم الله لأنه خلق الإنسان وبه تلك النزعة نحو المعرفة. ومن السهل أن نلومه لأنه جعل للإنسان عقلا لا يكف عن طرح الأسئلة. بعض الناس يلومون الله لأنه لم يمنحهم حرية كافية تجعلهم يثقون بمنطقهم الخاص في الحياة ولوضعهم تحت وطأة مفاهيم وتقاليد وعادات وممارسات لا يمكن تجاوزها. وحين تطرح لهم أجوبة تحتاج إلى قليل من التأمل وحرية الفكر من قبلهم يرفضونها رفضاً قاطعاً بحجة أنها بعيدة عن المألوف ومثيرة للجدل فلا يمكن أن تكون صحيحة، علماً بأن من دون مثل هذا الجدل الذي يرتفع فوق العصبية العقائدية لا دور للعقل على الإطلاق.د
إذا كان الله سرمدياً، وهو سبب أسباب كل الأسئلة والأجوبة التي تراود العقل فلماذا يكون هناك حدود للمعرفة العقلانية؟
إن المعرفة، أكانت رؤية صوفية، أو تجربة حسية، أم ذكرى لتجربة قديمة بالمعنى الأفلاطوني تعتمد على وجود الروح في عالم يمنحها صورة مادية محددة تستطيع من خلالها أن تعبر عن وجودها وعن جوهرها وتشارك في هذا التعبير أرواحاً أخرى مماثلة لكي تختبر وتختبر. فالروح تحاسب نظراً لانخراطها في هذه التجارب المشتركة – فكيف للروح أن تقوم بأعمال جيدة أو سيئة فتحاسب عليها إذا ما كانت وحيدة في عالم الاختبار والتجربة؟
حتى الآن، ما من عالم ثبت وجوده يؤمن للروح ما تقدم خلا عالمنا هذا.
استطاع الإنسان أن يعبر الغيوم إلى السماء في الصواريخ والمركبات الفضائية ولكنه لم يعثر على الجنة. كما أن العلماء يؤكدون أن الإنسان، من دون آلة الحواس، أي الجسد، هو طبقاً لأبسط القوانين الفيزيائية، غير موجود. فإذا كانت الروح خالدة، وإذا كانت غير قادرة على التعبير عن وجودها وحتى خلودها من غير جسد، لماذا إذا يعمد الإنسان إلى تخيل الروح هائمة في سماء غير منظورة كالجنة (بالمفهوم التقليدي) أو تائهة في جهنم ما تحت الأرض رافضاً رفضاً قاطعاً إمكانية تقمص الروح في جسد آخر لإغناء خبرتها، والتي هي إمكانية غاية في المنطق لا تحاكي العواطف الدينية وليست بعقيدة بالمفهوم التقليدي بل ركيزة منطقية؟ أليست الرؤية التي تجسدها فكرة التقمص عن مصيـر الروح بعد الموت مطابقة لتلك التي تملك البشرية الأدلة القاطعـة لها؟ أوليس من المنطقي أن نتصور الروح على الأرض في جسد عوضاً عن تصورها وهما تهيم بواسطة جسد أثيري لا يوجد أدلة ما على إمكانية وجوده؟
(التقمص ويوم الحساب) أين العدل الإلهي؟
تؤمن معظم الأديان بيوم القيامة أو ساعة الحساب ولكن:
ما مدى مصداقية هذا الحساب في حياة تبدو فيها الفرص المتفاوتة غير المتكافئة أبعد ما يكون عن العدل حتى أن أي عابر سبيل أمي أصبحت له فلسفته الخاصة عن الموضوع؟
لماذا ينتظر الله من خادمة وضيعة أن تكون فاضلة شريفة ومحبة تماما كسيدها ومخدومها؟
كيف يمكن أن تكون هناك كل هذه الفروقات بين البشر على الأرض، ويكون العقاب أو الثواب هو نفسه للجميع؟
ثم كيف يكافأ أو يعاقب من مات منذ آلاف السنين كما يكافأ أو يعاقب من هو حي ولم يستكمل أعماله بعد ويعتبر الحكم عادلاً؟
بالإضافة إلى ذلك:
هل معاقبة من قتل الرسل والأنبياء في عهود خلت هي نفسها كمعاقبة من قد يرتكب جريمة قتل اليوم؟ فإن كان الله، في ميزان حسابه، يأخذ بكل تلك الاعتبارات، كيف يمكن للروح التي لم تعش حيوات كافية لتختبر كل هذه الاعتبارات أن تعي كنه هذا الحساب؟ ثم أين العدل في محاسبة من لا يعي ماهية ما يحاسب عليه؟
إن كل الديانات السماوية، بل والمذاهب أيضاً، تعتبر نفسها الوحيدة الناجية، فما يكون إذا مصير الشعوب التي لم تصلها تعاليم تلك الديانات أو المذاهب؟ هل أنهم كانوا مخطئين لأنهم عاشوا في أماكن مجهولة أو في أوقات سبقت مجيء الرسل؟
وما هو مصير من سوف يولد بعد ساعة الحساب؟ هل هناك حساب مهيـأ خصيصا له؟ هل هناك أيام قيامة عوضاً عن يوم واحد؟ أم أن العالم سوف ينتهي فور أن ينفـخ في البوق؟
وأخيراً، يبقى السؤال الذي لا بد أن يطرح:
هل يمكن أن تحاسب الروح من غير جسد؟
هل يمكن لأحد أن يتخيل الثواب أو العقاب من دون اللجوء إلى ما يتصوره من تجارب وأعمال خيرة أم شريرة اكتسبها عبر الحواس الجسمية؟
إن تصورنا للعقاب أو الثواب ناتج عن خبراتنا الجسدية في الألم واللذة. فكيف يمكن أن نخاف من نار جهنم أو نحلم بثمار الجنة لو لم يكن لنا علم بالألم الذي تسببه النار أو اللذة في طعم الثمر؟
وكيف كان لنا أن نعلم بذلك دون حواسنا؟
كيف يمكن للروح في جسد أثيري أن تختبر ألم النار؟ هل أن النار تؤثر في الأثير أو في كائن أكثر لطافة كالجسد الأثيري أو الروح؟
فلماذا إذا نفضل العبور إلى ما وراء العقل والمنطق لإثبات ما قد يزيد من حيرتنا في الحياة ونرفض منطق التقمص الذي يرتكز على إثباتات ملموسة؟ هل أن الأنبياء والرسل أرادوا إبعاد الإنسان عن المنطق أم أن أناساً كالفريسيين والصدوقيين وغيرهم من أصحاب الأهواء حذفوا من الكتب المقدسة أهم عقائدها لئلا يجد القطيع الضال طريقه إلى الله؟
التقمص في التوراة:
لقد ورد في التوراة العديد من الآيات التي تثبت حقيقة التقمص تلميحا، نذكر منها ما قاله النبي سليمان الحكيم في سفر الجامعة بالنص:
"دور يمضي ودور يجيء والأرض قائمة إلى الأبد. والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق. الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال تذهب دائرة دورانا وإلى مداراتها ترجع الريح. كل الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن. إلى المكان الذي جرت منه الأنهار إلى هناك تذهب راجعة.
... لا أحد يستطيع أن يقول إن العين لم تر كفايتها، أو أن الأذن لم تسمع كفايتها. ما كان فهو يكون والذي صنع فهو الذي يصنع فليس تحت الشمس جديد. إن وجد شيء يقال عنه انظر. هذا جديد. فهو من زمان كان في الدهور التي كانت قبلنا".
وهذا القول هو تأكيد واضح على أن كل شيء يتبع نظام الدائرة، والحياة والموت غير مستثنيين.
و "الأشياء" التي عنتها التوراة هنا، ليست فقط الأشياء المادية والأعراض التي تفنى وتزول وتتزايد وتتناقص إنما عنت الجواهر الازلية الخالدة ومنها النفوس التي تتقمص الأجسام، لا يزاد عليها ولا ينقص منها فجوهر التقمص إذا منصوص عليه في التوراة.
التقمص في الإنجيل:
جاء الإنجيل المقدس ليتكلم عن التقمص بمحكم الأمثال:
قال القديس متى في الإصحاح الثاني والعشرين (الآية 31 – 36):
"وأما من جهة قيام الأموات أفما قرأتم ما قيل لكم من قبل الله القائل،
أنا اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب، ليس الله اله أموات بل اله أحياء فلما سمع الجموع بهتوا من تعليمه (أي تعليم السيد المسيح)".
"الحق أقول لكم أنه لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمدان... وإذا أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي. من له أذنان للسمع فليسمع". (متى 11).
"وسأله التلاميذ قائلين: "لماذا تقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولا". وأقول لكم أن إيليا قد جاء ولكنهم لم يعرفوه بل صنعوا به كل ما أرادوا. هكذا ابن البشر أيضاً مزمع أن يتألم منهم. حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان". (متى 17).
يفهم من ذلك بوضوح أن الظهور النبوي بقميص إيليا كان قبل ظهوره بقميص يوحنا بنحو 800 سنة.
قال يسوع لنيقوديموس:
"الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات".
"كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ؟ ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانية ويولد؟ أجاب يسوع وقال:"
الحق أقول لك إننا نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا. ولستم تقبلون شهادتنا". (يوحنا 3).
أقول لكم يا أحبائي، لا تخافوا الذين يقتلون الجسد ثم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً بعد ذلك. ولكنني سأبين لكم من تخافون. خافوا من له قدرة بعد القتل على أن يلقي في جهنم. أقول لكم: نعم، هذا خافوه. أما يباع خمسة عصافير بفلسين، فما منها واحد ينساه الله. بل شعر رؤوسهم نفسه معدود. لا تخافوا، إنكم أثمن من العصافير جميعاً". (لوقا 12).
إذا كان الله يحاسب الروح تبعاً لما فعلته خلال حياة واحدة في جسد واحد دون أن تتقمص بأجساد أخرى، فكيف يمكن للبعض أن يحصل على القوة للتصرف في الروح وإلقائها في الجحيم بعد الموت؟
يستخلص الكاتب الألماني الشهير "جون فان هلسنغ" في كتاب حديث له، أن السبب وراء افتقاد الإنجيل اليوم لنصوص واضحة تؤكد نظرية التقمص، أو الحياة ما بعد الموت، يعود إلى قرار المجمع الديني الثاني في القسطنطينية عام 553 وفي أيام الإمبراطور الروماني جوستنيانس الأول بحذف صفحات عديدة من الإنجيل تتضمن أقوال للسيد المسيح يؤكد فيها حقيقة التقمص واختفت مذاك تلك الصفحات المهمة من الإنجيل ورغم ذلك بقيت معظم الإشارات والرموز والتنويهات التي تشير بوضوح للتقمص مضمنة في معظم الآيات والإصحاحات في الكتاب المقدس بعهديه القديم والحديث.
التقمص في القرآن:
"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم. ثم يميتكم. ثم يحييكم. ثم إليه ترجعون". (البقرة 28).
"يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً بعد خلق". (الزمر 6).
"ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا لسحر مبين". (هود 7).
والمعروف أن السحر هو ما اتهم به المؤمنون والأنبياء وغيرهم كالأسينيين والمسيحيين الغنوصيين وبعض الصوفيين كالحلاج وغيره. ولم يتهم أحد ممن يؤمن بأن الروح تصعد إلى السماء بعد الموت بالسحر والشعوذة.
"ثم بعثناكم بعد موتكم لعلكم تشكرون". (البقرة 56).
"يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحين ويحي الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون". (الروم 19).
التقمص في الحكمة القديمة:
توضح الحكمة القديمة "إن الموت الطبيعي ليس هو شيئاً غير غيبة النفس عن الجسد لتعود في شكل آخر. وأن الإنسان الحكيم العالم هو حكيم عالم عند حضوره وهو حكيم عالم عند مغيبه لن ينتقل عن حكمته وعلمه أينما توجه وأينما سلك فكل طبع ينجذب إلى طبعه بالإبداع والتماثل، كما أن الشيء لا يلد ويثمر إلا نوعه وشكله".
تؤكد الحكمة القديمة ارتباط الفكر بالمادة، فالقانون الذي يحكم الكون والبيئة والمجتمع هو نفسه الذي يحكم الخافية (اللاشعور) لدى الفرد. وإذا كانت واعيتنا (الشعور) تخضع لضوابط الزمان والمكان المحدودين فإن خافيتنا تخضع لقانون الحياة اللامتناهي.
النفس الإنسانية متكاملة في جوهرها – هي اللحمة التي تجمع خيوط نسيج حياكة الجسد. هي القوة الموحدة للأعضاء الجسدية والوظائف الشعورية والمعنوية. إنها وحدة إنسانية تتدرج ضمن نطاقات ثلاثة متصلة غير منفصلة، هي "الأنا والذات والكيان" وتنضوي هذه النطاقات الثلاثة تحت كلمة "الاسمية" وذلك لأن الكيان هو الحقيقة الموحدة لوظائف النفس وأن سوء الفهم هو الذي يشتت انتباهنا إلى وجود نطاقات ثلاثة منفصلة، يعني تجزئة الإنسان إلى أقسام متعارضة ومتناقضة يستحيل التوفيق أو التأليف والتوحيد بينها. والحقيقة هي أن هذه النطاقات ليست أقساما بل دوائر ووظائف تتكامل انطلاقا من الأنا، إلى الذات إلى الكيان. والحق يقال أن الإنسان وجود متكامل يتفاعل على صعيد الأنا والذات، ويتوحد على صعيد الكيان.
تؤكد الحكمة القديمة على تكامل النفس الإنسانية فتشير إلى أن هذه النفس، إذا انتهت في بلوغها، ذلك الحد تجمعت منتثراتها، واتحدت متفرقاتها وتآلفت قواها، وعزم إدراكها.
الأنا، في صميمها، وجود قلق منفعل، يحمل في ثناياه العقل، والنفس، والشعور، والخافية، والوعي واللاوعي. هو وجود لا يدرك ذاته بذاته. وعلى الرغم من أن الأنا لا تعي ذاتها، إنما هي مهيأة ومزودة بطاقة الفهم والإدراك وهذا يعني أنها تشتمل على النفس والعقل، لذا تسعى الأنا إلى فهم ذاتها.
الذات هي الأنا وقد بدأت تفهم ذاتها بفعل الوعي الكامن فيها، والمدعو خطأ باللاوعي. وفي بدء فهم الأنا لذاتها، تنقسم إلى قسمين: الشعور واللاشعور (الخافية) وفي هذا السياق، يشير اللاشعور إلى ماضي الحياة المدونة في ذات الإنسان. ففي اللاشعور (الخافية)، يكمن تاريخ حيوات الفرد السابقة، وما يحمله من ذاكرات وذكريات تلك الحيوات والمعلومات المنطبعة في عمقه اللاشعوري. بالإضافة إلى ما يحمله من اللاشعور الذي يتمثل في ذكريات طفولته، ونوع التربية التي نشأ عليها، والمبادئ التي تلقاها والمفاهيم والقيم الإيجابية والسلبية التي غرست في داخله...
والشعور هو حاضر الفرد، لما هو عليه الآن، هو حصيلة الماضي والحاضر. فالحاضر جزئيات زمنية تنزلق نحو الماضي مليارات المرات في الثانية، في الوقت الذي تنحصر فيه الذاكرة، هو تقدمي إلى المستقبل، وهو ما أزرعه في حديقة حياتي المقبلة. ينشأ في الذات صراع أو تعارض بين الشعور واللاشعور. وعلى الرغم من هذا النزاع المحتمل بينهما، نجد الإنسان مهيأ ومزوداً بطاقة الوعي.
ينتهي هذا النزاع إلى كيان في اللحظة التي يكون الوعي قادراً على إقامة التوازن بين الشعور واللاشعور في تحقيق الكيان وفي تجاوز الأنا. هكذا يتدرج الوعي الإنساني في مراحل الأنا التي تعمل على فهم ذاتها وتجاوز ذاتها بفعل طاقة داخلية واعية تبلغ مستوى التوازن في الذات بين الشعور واللاشعور لتتوطد في كيان راسخ، متكامل تتحد فيه وظائف النفس كلها.
التكامل في الشخصية الإنسانية يرد إلى وعي الأنا، وإذا ما تعمقنا في تساؤلنا في سبيل إدراك وتبصر أعمق لحقيقة وعي الأنا، علينا معرفة مسار التطور الذي يساعدنا على تطوير الأنا والانعتاق من قيودها. فالأنا هي التطور المتراكم عبر آلاف آلاف السنين، بل ملايين السنين والمركز في كينونة الكائن الإنساني. الأنا هي التركيز المتنامي للحياة عبر العصور المديدة المقاسة بتراكم الزمن عبر العصور والدهور. وفي هذه الأنا يتركز تاريخ الوجود على مستوى كوكب الأرض ولا يذهلنا ما يخبرنا به علماء البيولوجيا بأن الخلية تحمل، في قسم من أقسامها، ذاكرة بيولوجية دون فيها سجل تاريخ الحياة على الأرض، فالأنا تتذكر، على نحو لا شعوري، الماضي الحياتي كله، الأمر الذي يجعلها مشروطة، أي محددة ومعنية بهذا الماضي.
إن التطور يمتنع بغير استبطان فالتطور هو تفتح وظهور لشيء سابق الوجود، إذ من أين يتم تطور الذي لم يكن موجودا في الأصل وكيف يوجد فيما بعد. وكل إنسان يدرك الأشياء حسب منظاره وبمقتضى انفتاح حقل رؤيته وجلاء بصيرته.
وعندما تعمل الأنا على فهم ذاتها، تبدأ في إحساس بالشعور أو الوعي وعندئذ تتميز الأنا باللاشعور وهي تتذكر ماضي الحياة البعيد، وتتميز بالشعور وهي تعالج الحاضر.
ترشدنا الحكمة القديمة إلى اكتشاف طبيعة الأنا المنغلقة "الخافية" بالعقل المميز الذي إذا أراد إدراك شيء ما أفرده مما سواه، وانتزعه مما قارنه، ثم أدركه إدراكا فاردا بذاته الفاردة القادرة، لأنه كما أن الحس لا يدرك شيئا فاردا، فكذلك العقل لا يدرك شيئا مركبا كثيفا، ولا يعلمه علما يقينا عقليا دون أن يفرد معانيه ويميزها وينتزع كل جنس منها فيجعله فاردا بذاته ليدرك معانيه كلها لدى الانفراد بحقيقتها. فإذا كانت الأنا متحققة من ماهية لطافتها عبر حيواتها السابقة، دونما تدركه بالحواس الخمس، فقد توجهت إلى طريق النجاة، وإن كانت لم تحقق شيئا من الأشياء إلا ما تشاهده ببصر الجسد وسمعه وذوقه وشمه ولمسه، فهي موقوفة على طريق العطب ومقاساة العذاب بالغرق في كثائف المركبات.
عندما نشاهد هذه اللوحة الإنسانية الممتدة من الأنا المغلقة على ذاتها إلى الكيان المتوازن المنفتح، نلمح الاشراطات الكثيرة التي تقيد الإنسان. ونستنتج أن الإنسان يعاني من قلق داخلي مرده إلى عدم فهم حقيقته، وذلك نتاج عوائق شخصية – فردية داخلية بقدر ما هي نتاج عوائق اجتماعية خارجية منحرفة الانعكاس، من غطاء كثيف للظروف المادية وغياب للمعرفة الحقيقية، وتحجر لأوهام الفكر التي أضحت أصناما من حجارة. وتعد هذه المعاناة قلقا داخليا ملازما لطبيعة الصراع الناشئ في الأنا، لرغبتها في التحرر من الإسقاطات الفكرية.
في هذه الحالة تكون الأنا منفعلة، وبالتالي قلقة.
ولقد عبر بعض الحكماء عن هذا الإحساس بالاحباط أو بالاغتراب أو الاستلاب. فالإنسان مغترب عن نفسه منفعل في واقعه ازاء الوجود وإزاء ذاته. فهو يعتقد بأنه "أنا منقذفة" في العالم، غريبة عن الحقيقة، لا يدري كنهها أو جوهرها. وهو يبحث عنها في اشراطاته، فلا يجدها وذلك لأنه متمرد، منفعل ورافض ولا يتم الولوج إلى محراب الحقيقة إلا بالوعي الذي يميز عمق الأنا لينقذها ويحررها من ظلمة اشراطاتها، وظروفها وإحباطاتها وقيودها.
إذن، فالإنسان يبحث عن حقيقته، فيعجز عن إيجاد هذه الحقيقة في الأنا. وما الموقف الذي يتخذه الإنسان إزاء هذا العجز إلا موقف يشير إلى ضياع الكيان الإنساني في متاهات الأنا، فهو بقدر ما يرفض أناه يضيع في أناه، ويصبح عرضة لقلق أو توتر داخلي يقضي بدوره على تماسك كيانه ووحدة جوهره. ولا غرو، أن تحقيق الكيان الإنساني يتطلب جهدا للوعي يتدرج من إدراك الاشتراطات، والانتقال عروجا إلى الذات التي تنقسم إلى شعور ولا شعور، وإلى النفس التي تشير إلى توازن الشعور واللاشعور، وإلى الكيان لذي يشتمل على وحدة الوجود الإنساني هكذا نستنتج أن القلق نتاج انقسام الإنسان على ذاته ضمن عملية جهل، ومتى أدرك الإنسان حقيقة وحدته، توقف انقسامه، وهدأ معه قلقه.
كيف يسمو الإنسان بالأنا، مصدر القلق والشقاء إلى الكيان، مصدر الغبطة والسعادة؟
لا يستطيع الإنسان الإفلات من إشراطات الأنا إلا بطريقتين:
أولاً: لا يكمل الإنسان حقيقة وجوده الأرضي إلا بعلمه وإدراكه بأن تحقيق الوجود يتم من خلال ما هو عليه.
ثانياً: لا يسمو الإنسان في سلم حقيقته إلا بتعديل دائم للأنا. ففي هذا التعديل يصعد درجات كماله، فينتقل من الأنا إلى الذات إلى النفس، إلى الكيان، إلى الروح. ولا يتم هذا الانتقال أو التحول بالتغيير الذي يتخيله، وذلك لأن المرء لا يغير نفسه، بل يعدلها. وأن مثل هذا التعديل بدوره لا يتحقق إلا بتوفر الحقائق التي تساعد الإنسان على فهم قوانين الحياة، فمن لا يؤمن بخلود الروح مثلاً تلقائياً لا يمكن أن يؤمن بأهمية ما يصدر عن عالم الروح أصلاً. فبنور قوانين الحياة ينير الإنسان سبيله وهو يجتاز جسر حياته المرتبط في نهاية بلا نهايتين: لا نهاية قدم منها وأقبل عن طريقها إلى الوجود الأرضي، ولا نهاية يرنو إليها وهو يتجه إليها وفق حكمة الوجود وجدير به، وهو يجتاز جسر وجوده، أن يعلم بأنه لا نهائي حتى في منزله لزومه النهاية.
التقمص في الفلسفة اليونانية:
من أهم قوانين الحياة التي عالجتها الفلسفة هي مسألة خلود النفس ومصيرها بعد فناء الجسد وتحلله. الفلسفة اليونانية تناولت موضوع النفس الإنسانية، ودرستها بطريقة مفصلة وواضحة وعرفتها بتعريفات عدة. ففيثاغوراس مثلا، ذلك الفيلسوف الرياضي لم يحصر اهتمامه وعبقريته بعلم الأرقام والأعداد بل اهتم بدراسة النفس. فالفيثاغورية تؤمن بخلود النفس وتواتر الأرواح إذ تقول إن الإنسان عندما يموت تنتقل روحه إلى جسم آخر؛ إذ الروح أو النفس خالدة لا تفني بفناء الجسد حيث يروى إن فيثاغوراس كان متجسداً للمرة الخامسة (في الدور الآدمي) وأنه يذكر حيواته السابقة. وفي هذا الموضوع نجد أن أفلاطون في محاوراته يركز على التقمص كقانون، فكما تتبع اللذة الألم واليقظة النوم وكذلك الحياة يتبعها الموت أو الميلاد الذي هو العودة الجديدة لدور الحياة المتجددة.
فإن التأرجح المتناغم للروح ما بين الموت والحياة هو النغمة الكونية منذ البدء. وهذا ما علمه أفلاطون عندما قال في مثاليته الروحية بأن التقمص ليس مسألة اختيار في الاعتقاد وليس عرضة للسفسطة والجدل إنما هو حقيقة الحقائق، وما على المرء إلا أن يدرك هذه الضرورة الوجودية وينسجم مع تناغمها الكوني أو له الحرية في رفضها والبحث في غياهب التساؤلات والأوهام.
التقمص في فلسفات الشرق الأقصى:
كذلك نجد في الفلسفات الصينية والهندية من ينادي بخلود النفس بعد فناء الجسد وبعثها من جديد في حياة أخرى وجسد آخر.
يقول بوذا بخلود النفس وبعقيدة التناسخ أو العودة للحياة انطلاقا من إيمانه بالسببية أو عقيدة "الكارما" التي تؤكد أن لكل شيء علة ولكل علة نتيجة فهي تتعدى الخبير والعدالة أنها تجعل الفرد وحده متحملاً نتيجة عمله، فالمرء إذا مقيد في سلسلة حلقات من التوالد التكرر، يولد هنا وبعد أن يموت يولد هناك. كالثمرة التي تؤكل وتزرع بذرتها لتثمر من جديد. قال "سامسار" (أو التقمص) هو عملية سير أبدي لدولاب الوجودات للشخص الواحد ولما كان عمر الإنسان قصيراً كان لا بد أن تنتقل النفس من بدن إلى آخر وفي كل بدن تكتسب معلومات جديدة.
مقتبسات من خلود النفس وحقيقة التقمص – راجع الضحى العدد 81 – تشرين ثاني 1998.
قانون الكارما:
ترتبط الظروف و "البيئة" الحياتية التي يمر بها الإنسان في تجسده الحالي بوشائج لا تنفصم عراها بنتائج أعماله في الحياة السابقة Karma ، فالميول والنوازع والأعمال التي يتبناها في تجسده السابق ترسم تفاصيل الحياة والبيئة التي سيولد مجدداً فيها، وحتى أنها تحدد الميول الفطرية للجسد الجديد وقدراته وإمكانياته والمحيط الذي يسهل، أو يعرقل، حصوله على المعرفة والقدرة على تحقيق الذات واستكمال ما عجز عن إتمامه في قميصه السابق، فالجسد هو بيئة الروح والنفس، كما العائلة والمنزل هما بيئة الجسد، وحصيلة الأعمال والميول هي التي تحدد البيئة الجديدة لتقمص الروح وذلك لحكمة إلهية في استخلاص العبر والاتعاظ، وإصلاح مسار الروح والتكفير عن سوء أعمالها وتصرفها وللتعويض عن تقصيرها في إدراك المعارف الإلهية والتوجه الصادق نحو الخالق بنقاء النفس وصفاء السريرة. إن المميزات الرئيسية لشخصيتنا في كل تقمص تتبدل وتتغير وفقاً لتغير البيئة والظرف، والطبع والميل، لكن الجوهر الداخلي للذات العليا في النفس أو الروح البشرية يبقى ثابتاً لا يتغير ويتغذى بكل التجارب والاختبارات الروحية والجسدية عبر تعاقب الحيوات وتبدلها. إن الذات العليا هي شرارة إلهية ونواة روحية لكل تجسد إنساني، في حين تعتبر الذات الدنيا بمثابة ظهورات متعاقبة متغيرة للذات العليا في وعاء المادة حيث تكسبها الغنى الروحي والتطور والتناغم عبر إدراكها لحكمة التجارب والمحن. هذا هو أحد المبادئ الروحية الرئيسية للتقمص، إن جوهر التجربة ومغازيها والأهداف السامية التي تكمن وراءها تترسخ في الذات العليا في سياق تطورها ورقيها في معارج السمو، لذا إن ما يدوم وينتقل عبر كل التقمصات هو خلاصة القيم والمبادئ الروحية والجوهر الأخلاقي الذي هو غذاء الروح عبر كل الأجيال، في مسيرتها من حياة إلى أخرى لتسمو في مدارج التسامي وديمومة الاختيار وسيرورة الترقي لاستكمال سعادتها الأزلية الخالدة عبر رحلتها اللامتناهية في تبدلات ثوبها التجسدي، وذلك بتسديد ديون الكارما والغفران والتطهر بالمعاناة والآلام والمكابدة ودفع ثمن نتائج الأعمال المعجلة، عبر الحياة الواحدة، والمؤجلة عبر تعاقب الحيوات. وكلما عرف الإنسان ذنوبه ونتائج أعماله، وتقبل عقابه بصبر ورضى وتعقل، سدد دينه وتخلص من أثامه بسرعة دون اعتراض وبمنتهى الرضى والتسليم لأن ذلك مقتضى العدل الإلهي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه:
هل يستطيع الإنسان أن يعرف ما اقترفت يداه وما اجترح من أعمال سيئة أو خيرة في حياته السابقة؟
لا يستطيع الإنسان تذكر حياته السابقة إلا في بعض حالات النطق التي يتذكر فيها الطفل بعض الذكريات البارزة من تجسده السابق، والنسيان هو نعمة إلهية للنفس كي لا تنفطر من وطأة الآلام والمعاناة التي اختبرتها في الحياة السابقة، لكن بعض التأملين الذين سبروا أغوار ذواتهم لاستخراج دررها المكنونة استطاعوا أن يتعرفوا على بعض اختبارات تجسدهم السابق.
حين يريد التلميذ استظهار قصيدة من غياهب ذاكرته، ما على الأستاذ سوى أن يذكره بالكلمة أو الجملة الأولى، وبقية القصيدة تتدفق تلقائياً من ذاكرة حافظته، وكذلك الأمر إذا استطاع المتأمل التقاط لمحات من حياته السابقة في تأمله العميق في ذاته العليا، فإنها قد تفتح له صفحات من التجارب والاختبارات يستخلص منها العبر وتجلو له أسباب معاناة حياته الحالية. والتقنية هذه تبدأ بالتركيز على مشكلة نعتقد أنها وليدة أعمال سابقة وجذورها ضاربة في تفاصيل التجسد السابق، وتلك المشكلة تكون بمثابة خيط دليل يشدنا عبر أنفاق الوعي المتعاقب نحو مخزون اللاوعي الروحي.
إن صفاء الروح المتأملة يتخطى أبواب الحواس الخمس ليسمو لما وراء حجبها المسدولة لتركيز الأنوار وتسليطها على مرآة الذات والنظر بعين العقل، في استغراق تأملي بجوهر المشكلة التي ينبئنا حدسنا بأنها نتيجة تجارب سابقة دون الوقوف على تفاصيلها أو الحكم عليها، نكون قد اتخذنا مفاهيم الكارما غذاء للروح وعظة للنفس ودرساً لحياتنا الحاضرة لجعلنا أكثر رضى وتقبلاً للواقع الذي نصنعه ونلوم الآخرين غالباً.
إذا استمر التأمل على هذا المنوال ما بين اليقظة والنوم، تلك الفترة التي يعتبرها البعض مصدراً للإلهام والعبقرية، دون أن نبذل أي جهد تظهر لمحات أو ومضات من الصور على شاشة الوعي، وهنا يجب عدم التوقف عند هذه الصور أو إجهاد أنفسنا في استنباط معانيها وذلك لنجعلها تبرز بعفوية. إن المهارة في تطبيق هذا المنحى التأملي تقع في استنباط معانيها وذلك لنجعلها تبرز بعفوية. إن المهارة في تطبيق هذا المنحى التأملي تقع في التقاط الانطباعات واللوحات البصرية التي تتوفر لنا حين يعبر العقل من حالة وعي إلى أخرى، وحين يتمازج مستويان من الوعي نكون قد وصلنا إلى نقطة التقاء ما بين الوعي الموضعي Cconsciousness وما دون الوعي subconsciousness، إن الانطباعات العفوية هي الأكثر قيمة لأنها تنبع من اللاوعي unconsciousness وتطفو على سطح "ما دون الوعي"، في حين أن الانطباعات التي توجه وتخضع للإرادة تنبع من الوعي الموضعي consciousness.
بصبر ومتابعة يكتسب المتأمل مهارة في استخلاص تلك الانطباعات حين تفتح أبواب الوعي وتهب نسميات صورية وشعورية من باب إلى آخر لتحمل معها "أجواء" من المشاعر وخلاصة التجارب السابقة، تتحقق البراعة في الانزلاق بسهولة وسلاسة، بعين البصيرة، من حالة وعي إلى أخرى. إنها محاولة تأرجح توازني بين جناحي الوعي، للدخول في مخزون اللاوعي، وكلما كانت الذكريات قريبة من السطح كان ظهورها أسرع وأوضح. إن تكرار العملية هذه يظهر لمحات صورية قد نستطيع تركيب لوحة تذكرية منها. وهنا حين تظهر ذكرى تقمصية سابقة فإنها تعرف من العاطفة التي تصحبها. إذا ما بين اليقظة والنوم، نستطيع مشاهدة انطباعات بصرية متتالية على شاشة الوعي تسبح أحيانا أمام أعيننا المغمضة مشحونة بأحاسيس وعواطف الحياة السابقة!! وكلما كانت الصور أكثر دراماتيكية وتأثيراً في تلك الحياة صحبتها مشاعر جياشة و "أجواء" عاطفية، وقد لا تتعدى كونها لمحة عابرة أو ومضة بصرية خاطفة لغرفة أو قرية عشنا فيها يوماً أو مدرسة جلسنا على مقاعدها في "جيلنا" الماضي، وتثبت تلك العاطفة الجياشة حقيقة التجربة، وعلينا في تلك اللحظة أن نركز على هذه المقتطفات البصرية حتى لا تذوي في طيات اللاوعي ونفقدها مجدداً. قد تكون هذه العواطف سارة لكنها قد تكون مؤلمة أو حزينة أيضاً، لذلك يقتضي الحذر حين تنفتح مغالق ما دون الوعي ومنافذ العقل الباطن (اللاوعي) ليتدفق نزر يسير من المخزون الروحي الذي غالباً ما يكون كافياً لإحداث يقظة مشاعر وتفكير وندم في ما اقترفت النفس عبر تجسداتها، وفي دين "الكرما" الذي يتوجب على الإنسان أن يسدده ليتحقق القانون الإلهي العادل، فإن صعوبة زماننا هي نتيجة لسوء أفعالنا فلا بد من تحمل تبعات الأعمال، ولا بد في المقابل من أن تسنح الفرص للتكفير عنها في حياتنا الحاضرة ولا بد من الاستفادة وأخذ العبرة وتلافي الأخطاء وبالتالي عدم الوقوع تحت أعباء ديون جديدة.
إن هذه المقتطفات تكون بمثابة روابط مغنطيسية تجذبنا إلى اختبارات حياتنا السابقة، وإذا زود الوعي بالملامح الصورية الكافية باستخدامه تلك اللمحات والومضات الآنفة الذكر لإظهار حقيقة تلك الانطباعات والتأثيرات العاطفية، فمن المحتمل مع دراستنا البيئة والمحيط اللذين ترسمهما لنا تلك اللمحات أن نتعرف على مكان وزمان تجسدنا السابق في تأملنا لمجموعة الذكريات والعواطف المصاحبة، لعلنا ندرك سبب تقصيرنا وسوء أعمالنا التي انعكست نتائجها علينا عذاباً أو شقاء أو معاناة وحرمانا، فتلك الأعمال كما ذكرنا هي التي ترسم لنا مكان ولادتنا الجديدة والبيئة والجسد والعائلة والوضع الاجتماعي وحتى الظروف التي تسهل أو تعرقل معرفتنا لحقيقة الوجود وإدراك جوهر الذات والحكمة الإلهية. فأعمالنا السابقة تحدد توجهاتنا ومشاعرنا وأحاسيسنا في كل لحظة نعيشها في الحاضر ومن لطف الله بنا أننا لا نتذكر بالتفصيل أسباب هذه المشاعر والأحاسيس فقط نعي بعض الشيء من المنطق الذي يحركها. قلة قليلة كالأنبياء والرسل المقربين لديهم القدرة على تحمل هول الذاكرة الكونية.
لقد عرف بوذا مثلا عدة أدوار سابقة له وتذكر كيف ترقى عبرها في معراج المعرفة حتى وصل إلى مرحلة البوديستاف، والفيلسوف الإغريقي فيثاغوراس تذكر أكثر من خمس حيوات سابقة، كان في إحداها بطلاً شارك في حرب طروادة. إنها تجربة لا تقدر بثمن حين نتذكر الأعمال التي اقترفناها سابقاً وندفع ثمنها الآن ليتم العدل الإلهي، إن إدراكنا لمسببات الكارما هو امتداد لآفاق بصيرتنا ووعينا وتطورنا الروحي ومعارفنا الدينية وخير دليل يساهم في صناعة قدرنا المستقبلي. "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره". إن حصاد نتائج الأعمال ومنتهى الحكمة والعدل يتجلى معاني الرحمة الإلهية.
قانون الكارما والعدل الإلهي (رحلة عبر أنفاق الوعي) – راجع الضحى العدد 73 – آذار 1998.
لقد أذهل غايس النائم غايس الصاحي، كما أسلفنا، عندما بدأ ينطق بأمور فلسفية وماورائية مثل التقمص وسوى ذلك، وهي أمور أبعد عن ثقافة غايس (الصاحي) العلمية، فضلاً عن أنها تتعارض مع إيمانه الديني الذي ترعرع عليه، وقد أخذت منه هذه المفارقة بعض الوقت حتى سلم بها وأذعن لها. وهو يقول، أو بالأحرى تقول القراءات، إن النفس الإنسانية موجودة بحد ذاتها وفيما يتعدى الجسد الذي تسكنه بإرادتها وهي بذلك تختار جسدها، ووالديها، وعقباتها وامتحانات حياتها التي ستبتلي بها، والبعثة التي قدمت من أجلها. ولذلك قد يكون امتحان الغنى أشق على بعض الأنفس من امتحان الفقر، وقد تستكمل النفس ترقيها ومعرفتها عبر سلسلة من التقمصات، ويكون دورها في كل جيل تكملة لما توقفت عنده في جيلها السابق... وهكذا يكون مبدأ "الكارما" تأثيراً للحيوات الماضية، وهو عادة في طي النسيان، في الحيوات اللاحقة... وقانون الكارما هذا يختلف عن قانون (السبب والنتيجة) Cause and Effect في شيئين إثنين:
الشي الأول: إن الكارما تشتمل في نطاقها على مجموعة من الحيوات، بينما قانون السبب والنتيجة يتحقق في نطاق الحياة الواحدة.
أما الشيء الثاني: فهو أن قانون الكارما ليس حتمياً كقانون (السبب والنتيجة)، ويمكن للنفس الراقية محو ديون الكارما عن طريق المحبة وعدم معاندة الخالق والترقي في المعرفة والانخراط في واجب الخدمة وهذا ما يفسح المجال لتطبيق قانون آخر هو قانون (الفضيلة) Law of Grace وإلا فإن قانون الكارما يطبق بشكل لا مناص منه وجزاء بجزاء، أو لربما يتعاظم حجم الكارما بالنسبة للنفس الجاهلة العاصية، فتتراكم عليها ديون جديدة. ولا يمكن بأي حال لأي نفس أن تورط نفسا أخرى في (كارما) إذ لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
مقتبسات من مجموعة الضحى لادغا غايس.
التقمص في علم النفس:
يعتبر علماء النفس أن انفعالات الحالم والصور الذهنية التي يشاهدها أثناء نومه ما هي إلا وليدة ذكرياته وتجاربه اليومية وأحاسيسه المتراكمة التي تتركب منها الأحلام بإبداع سوريالي. لكن هل تساءلنا يوما ماذا يحلم الطفل الوليد لتظهر كل تلك الانطباعات على وجهه منذ أيامه الأولى، من خوف ودهشة، وغضب وحزن، وفرح وبشاشة فضلاً عن انفعالات أخرى؟.
هل رأيت مولوداً نائماً وهو يضحك ثم يحزن ثم يغضب، ثم يمتلئ وجهه فرحاً وبشاشة، وعيناه تتقلبان تحت جفنيه ذات اليمين وذات الشمال وعيناه تتقلبان تحت جفنيه ذات اليمين وذات الشمال وكأنه يخاطب أحداً؟ وإذا سلمنا جدلاً أن بعض التنبيهات الحسية كالجوع أو الألم والبرد تجعل الوليد يبدي انزعاجاً أو بكاء، ماذا عن الانطباعات العاطفية الأخرى، وما هو مصدرها، وهل تلعب الفطرة الغريزية أو العوامل الوراثية والهرمونات الأمومية دوراً في تحريكها وإظهارها كما يدعي البعض؟
إنها شطحات علمية غير مقنعة، لأن التنبيهات الحسية لا تتوالى بهذه السرعة والمزاجية لكي تتعاقب تلك الانفعالات على وجه الطفل. إن المواليد الجدد يظهرون أثناء "النوم المضطرب" انفعالات أساسية لا تتكون مسبباتها عند الطفل في يقظته قبل مرور أسابيع عدة يكون قد تعرف بعدها على محيطه وبيئته وبعض التجارب الأولية، في حين أن الانطباعات التي تظهر لدى الطفل في حالة الحلم هي بعيدة عن متناول ذاكرته وإدراكه الحديث، حيث يمضي الطفل معظم يومه نائماً وحالماً!
مراحل النوم:
ولنلق الضوء على آلية النوم وحدوث الحلم كما أظهرت الأبحاث السيكولوجية الحديثة التي تمت بفضل جهاز تخطيط الدماغ E.E.G كي نتعرف على فترة النوم المضطرب الذي يحدث فيه الحلم بعد أربع مراحل متعاقبة من النوم البطيء وهي:
المرحلة الأولى: مرحلة النعاس وبدء النوم حيث تبدأ موجات ألفا الدماغية بالتلاشي.
المرحلة الثانية: تلي المرحلة الأولى بدقائق قليلة، حيث تستقر الموجات البطيئة على عمقها، وتظهر أثناءها ظاهرة علمية تسمى "معزل النوم" Spindle تسببها موجات "بيتا" Beta.
المرحلة الثالثة: وهي مرحلة الانتقال نحو النوم العميق، وتظهر أثناءها موجات "دلتا" Delta.
المرحلة الرابعة: يسود النوم العميق مع موجات دلتا أكثر بطئاً. ويطلق على هذه المراحل الأربع اسم النوم البطيء S.O.L.
أما المرحلة الخامسة: وهي مرحلة النوم المضطرب أو النوم المفارق كما أطلق عليها العالم الفرنسي "جوفه" Jouvet، فهي المرحلة التي تظهر فيها الأحلام حيث يصعب إيقاظ النائم، وتعرف أيضاً باسم "فترة النوم ذي الموجات السريعة" S.O.R التي تظهر أبانها "حركة العين السريعة" R.E.M (Rapid Eye Movement). وهذه المستويات الخمسة تحدث بشكل متعاقب عدة مرات خلال النوم ويتعاقب ظهور الأحلام في آخر كل دورة.
إن فترة النوم المفارق تستغرق أكثر من ربع مرحلة النوم عند البالغين في حين أنها تستغرق أكثر من 60% من مدة نوم الطفل في اشهره الأولى و 30% في سنته الثانية وتتناقص هذه الفترة حتى سن السابعة أو الثامنة حيث تطغى مراحل النوم البطيء. والطفل، كما هو معروف سيكولوجيا، ينام في أشهره الأولى أكثر من 16 ساعة يومياً وتحتل فترة النوم المضطرب أكثر من 60% منها كما ذكرنا، أي وبلغة أخرى أن المولود الجديد يحلم فترة كبيرة من يومه وهو لم يختبر بعد العالم المحيط به في اليقظة ولم يدرك عناصر كافية ليتم تركيبها في الحلم. إذا ماذا يحلم المولود، وما هي الصور والخبرات التي تتركب منها أحلامه؟ ولماذا نسمعه أحياناً يبكي وهو يحلم وعلامات الحزن بادية على وجهه؟ ليست التنبيهات الحسية وراء هذا بالتأكيد!!!
عناصر الحلم الطفولي:
إن الحلم الطفولي يستمد عناصره من ذكريات الحياة السابقة حين يستحضر صوراً ومشاعر من التجسد السابق يصعب إيجاد رابط لها في الحياة الحاضرة، فللأحلام سلطان على ذكريات الحالم لا تنال في حياة اليقظة فقط بل غالباً ما تكون بمثابة خيط دقيق يصل الحالم بحياته الغابرة، ويربط واقعة الحالي بالهدف النهائي السامي لتعاقب تجسداته، فالحلم ينطوي على معان تفوق دلالاتها المعاني الذهنية، فهو يرتب وينظم الصور والذكريات والمشاعر وفق منطقه الخاص الذي يخالف منطق اليقظة، لذلك يتسلل الحلم إلى الذاكرة أثناء النوم ويستخرج الذكريات والمشاعر من أعماق اللاوعي ويستخدم صوراً بصرية انفعالية مستخلصاً تجارب معاشة في حيوات سابقة، فهو يمهد الطريق إلى أعمال النفس ويفتح نافذة مشرعة نحو آفاق متباعدة من الخبرات والمعاناة السابقة بلغة رمزية تحتاج دلالاتها وإشاراتها ومعانيها المرمزة إلى تأويل لفهم مغزى رسالتها التي غالباً ما تكون توجيهية أو تحذيرية. إن معرفة الأحلام وتحليلها هما أشد عمقاً من تحليل سلوكنا اليقظ، وما عجزنا عن فهم ما تنطوي عليه بعض الأحلام إلا نتيجة تقصيرنا عن معرفتنا لأنفسنا في حالة اليقظة ولعدم إدراكنا لأسباب وجودنا.. من أين وإلى أين...؟
رسائل الذات:
تجد النفس حكمة في تقليب صفحات الحيوات السابقة وإعادة تجسيد بعض التجارب في صور ذهنية حلمية لكشف بعض الجوانب المظلمة ولاستخلاص العبر كي تدرك مسارها الروحي وتطوره ولتجد قسطاً من الطمأنينة في التجسد الحاضر بتذكر بعض تفاصيل "الجيل" الماضي لفهم الحاضر وتقبله. ولهذا السبب اعتقد بعض الشعوب القديمة أن روحا حارسة تخاطب الأرواح من خلال الحلم برسائل إيحائية مبطنة تساعد الإنسان على فهم شخصيته، فإن لغة الأحلام هي بمثابة رسائل غير كلامية، والفهم الحقيقي لرسالة الحلم ومغزاه يجعلنا نفهم وجودنا الحالي أكثر عمقاً ووضوحاً، ويساعد في حل المشاكل التي تواجهنا، فاللاوعي أو العقل الباطني unconsciousness ليس سلة مهملات يرمي فيها الوعي كل الممنوعات الأخلاقية والمكبوتات النفسية. كما أن الأحلام ليست لغة رمزية سرية تعبر عن اندفاعات الرغبات كما يدعي "سيغموند فرويد"، بل هي تجارب نفسية تدفع الإنسان نحو الفضيلة وانتهاج الأعمال الصالحة فتغني تجارب حياته وتضيء بعضاً من جوانب وعيه.
إن الأحلام المتكررة منذ الطفولة، التي تعاود الظهور وبنفس المضمون الذي لا يمت بصلة إلى أي من ذكرياتنا أو خبراتنا أثناء اليقظة، هي نتيجة للروابط الاستدعائية لمغزى روحي. ومن هذا المنطلق اعتبر العالم النفساني "بورداخ" أن الأحلام هي إحدى المكرمات الخفية في طبيعة الروح المنطوية على دوائها، فيما رأى العالم البريطاني "هادفليز" Hadfiels أن للأحلام وظيفة أساسية هي حل مشاكل النفس، فالحرمان من الحلم يؤدي إلى حالات جنون وهستيريا، وولوج أبواب الحلم العاجية يغمر النفس أحياناً بهالة من الرهبة والقداسة لتحلق في جو أثيري وأطياف تذكرية هيروغليفية، حيث تصدح لغة العقل الباطن بمخزونه وتوجهاته الروحية، وحيث تمرح خبرات منسية في أعماق الذات لتلعب على مسرح الحلم فصولاً نورانية ذات رسالة هادفة، ولذلك أعتقد الشاعر النفسي "جيرار دي نرفال" أن الإنسان يعيش حياة ثانية في الحلم في خط متواز مع حياته الواقعية، في حين أقر عالم النفس الشهير "كارل يونغ"، مؤسس علم نفس الأعماق Transpersonal، بوجود أصل دائم وراء شخصيتنا المتبدلة، هي الذات العليا التي ترتدي ثوباً جسدياً أي الشخصية الخارجية لتكتسب تجارب غنية، ويعتقد أن الذات الدائمة تلك تعيش مجدداً في شبه حلم، كل تجاربها السابقة لحكمة بالغة.
حين نعبر من عالم الواقع المادي إلى عالم الأحلام الروحاني، تبدأ الذات باستعراض صور تكبها في لوحات سوريالية وتسترد ذكريات غابرة وعواطف دفينة منذ أجيال لتدبلج رسالة روحانية...
لنقرأ هذه الرسالة بعمق، ولنصغ إلى نداء الحلم علنا نفقه المغزى الروحي.. "لا توقظوا النيام وهم يحلمون..!!
لغة الحلم وذكريات الحياة السابقة (الأحلام.. رسائل روحانية على مرآة الوعي) – راجع الضحى العدد 71- نيسان 1998.
يقول البروفسور الأخصائي "د. أيان ستفنسن"، منذ حوالي أربعة عقود في أبحاث التقمص وما يتعلق به. أنه يضع ست ملاحظات على افتراضات مؤسس علم النفس الجنسي، سيغموند فرويد حول موضوع التقمص:
أولاً: أنه اعتبارا لأقول ومشاهدات العديد من الشهود لحالات عديدة من شواهد التقمص، أن تفسير فرويد للموضوع بأنه من عمل المصادفات أو فعل الذاكرة الجمعية في الذاكرة الفردية لشخص ما هي افتراضات لا تصح أبداً في تفسير أكثر حالات التقمص التي درستها.
ثانياً: كذلك تفسرها بالتشكيل الذهني والتي تفسر بالمراجع الحديثة بالذكرى الخفية – قد تكون مقبولة نوعا ما في بعض الحالات القليلة الضعيفة التأثير. أثر تعارف أسرتين تذكر أحداها، إسم أحد أفرادها المتوفين، مع نبذة عن ميوله وأعماله وآثاره وأقواله. لكنها بالفعل تنتقص كلية في الحالات الغنية بالتفاصيل حيث يحتفظ الطفل بطبيعة شخصيته السابقة في جيله الماضي، لأكثر من سبع سنوات أحيانا دون أي تغيير جوهري في وعيه وشخصيته طيلة هذه المدة. كذلك لا تستطيع افتراضات فرويد أن تفسر لنا، معنى المعلومات الشخصية الحميمة والخاصة التي يحملها الطفل من جيله الأسبق وشخصيته الماضية دون الافتراض أن علاقات واسعة ودقيقة، قد قامت بين الأسرتين، هذه العلاقات العامة التي لم يتم حصولها في أكثر الحالات. بل كثيراً، ما كانت تحصل عرضا أو صدفة.
ثالثاً: الحواس الخارقة وإدراك ما فوق الحواس بحسب التفسير الحديث للمادة. مع القدرة المتفوقة على التمثيل أو التشخيص هذا الافتراض يجب أن يبتسر كثيراً حتى يمكننا من تفسير بعض الحالات النادرة الغنية بالظروف والوقائع.
إذ كيف يمكن لهذا الافتراض أن يفسر لنا، التنظيم الدقيق والصحيح للمعلومات في ذاكرة الطفل، عن طبيعة حياته السابقة وطبعه وانطباعاته وميوله في الشخصية الأولى المتوفاة وليس لهذا الافتراض أن يجيب أبدا عن سر المهارات والمهن التي يتقنها الطفل، والتي لم يكن ابدا قد عرفها أو تعلمها في حياته الجديدة.
كذلك يعجز هذا الافتراض، أن يبين لنا، لماذا تحافظ شخصية الطفل لسنوات عديدة، وبطبيعة وطيدة، قريبة بل مشابهة تماما، في أكثر الأحيان لماهية الشخصية السابقة. دون أن يكون للطفل أي دوافع أو حوافز تدفعه أو تحفزه لذلك.
كذلك يستغرب، أن يكون للتأثير الأسري، أو العائلي، القدرة على جعل الطفل يستمر في شيء. الأمر الذي لم يلاحظ علماء النفس، ولا الأطباء النفسيون، وجوده حتى لدى الأطفال المضطربين نفسياً، وغير الأسوياء على أي صعيد كان.
رابعاً: المهارات التي يحسنها الطفل ولم يكن قد عرفها أو تعلمها أو حتى ورثها من أبويه. هنا لا بد أن نضع احتمالين: الاستحواذ أو التقمص؟ ولكننا لا نستطيع أن نقطع بأحد هذين الاحتمالين من مجرد درس المهارات الجديدة فقط.
خامساً: لأن أكثر ملامح وظواهر هذه الحالات لا تسمح لنا بالافتراض الجازم لأحد هذين الاحتمالين، الاستحواذ أو التقمص.
لأن مطابقة الكثير م هذه الحالات في تذكرها للجيلين بدقة وصدق يجعل الموضوع في غاية الدهشة لأن من المعروف، أن في علم النفس قانوناً يقول (التعرف يزيد التذكر)، واعتبارا لأصول هذا القانون الأكيد، لا بد من تفسير هذه الظواهر جميعها بحسب نظرية التقمص التي تهيمن هنا على كامل الموضوع وتصبح أكثر معقولية بكثير من نظرية الهيمنة أو الاستحواذ.
سادساً: أما الحالات التي تظهر فيها عند الولادة أنواع من المعاملات أو أحيانا تشوهات خلقية ما. فهذه العلامات الأكيدة الموثوقة تقطع بصحة تفسير التقمص للموضوع دون أدنى لبس أو شك. وحيث أن هذه الحالات لا يمكن تشويهها أو تفسيرها بحسب أية أفكار نظرية، أو نظرات فلسفية أو نفسية، لأنها وقائع محصنة لا تقبل غير التفسير العلمي..
فهي لذلك، وعلى كل حال. تتضمن الحالات الواضحة الصحيحة وهي تعطينا بصورة قاطعة مميزة، الدليل على صحة تفسيرها بالتقمص وتستبعد أي تفسير آخر يمثل امتلاك الحواس الخارقة للذاكرة الخفية أو الاستحواذ.
وقد كنت في دراساتي وأبحاثي السابقة، محايداً تماماً، بين كل التفسيرات والنظريات في عالم النفس بالنسبة للقطع برأي نهائي في هذا الموضوع.
وقد حافظت على هذا الموقف، وقد كنت أظن أن في ذلك موضوعاً، من تشكيل الذاكرة بالإضافة غلى بعض التخاطر العلمي الماضوي. ولكنني وجدت نفسي أخيراً، آخذا برأي التفسير الخلودي والاقتناع بالتقمص، كتفسير وحيد لجميع هذه الظاهرات والظواهر التي حيرت العلماء لأجيال وأجيال. وحيث كنت أشغل نفسي دائما في التفتيش على الأدلة المصدقة للتقمص وجدت أن كل هذه الوقائع لا بد أن تجد تفسيرها الصحيح في موضوع التقمص الذي يعطيها حقيقتها ويستجيب لكل القضايا والتساؤلات التي تطرحها. لذلك أرجو أن يقتنع تلاميذي وقرائي أنني قد توصلت إلى ذلك الاستنتاج بطريقة علمية. وأنا أقول ذلك لهم بكل صدق ويقين بعد أن عرضت واستحضرت ما لا يحصى من الشواهد والأدلة. وكانت قناعاتي هذه تزداد اطرادا كما تقدمت في أبحاثي وتعمقت في تحليل الوقائع التي حصلت عليها بعد طول العناء.
وهذه القناعات قد زادت كثيراً وأصبحت أغنى خاصة بعد مشاهدة الكثير من الحالات المختلفة والمتنوعة من ذكريات الأطفال العديدين الذين تأكدت بكل الوسائل الممكنة أنهم كانوا يحملون فيها معلومات مهمة، دقيقة التمثيل والتشخيص، لشخصية خاصة، حميمة، وصادقة عن أجيالهم السابقة وشخصياتهم الماضية ومن أهمها ممارسة مهارات ومهن لم يتعلموها في جيلهم الحالي، بكفاءة ممتازة أو معقولة. وكذلك من العاملات التي رافقتهم منذ ولادتهم والتي كانت تميزهم في حيواتهم السابقة أو التي احتفظوا بها على أثر موت مفجع من ندب على أثر عملية ذبح في جيل سابق، أو أثر رصاصة أصيب بها أحدهم في حياته الماضية فانتقلت صورتها في الطفل الوليد منذ الولادة. كذلك منها بعض التشوهات الخلقية التي رافقت الوليد الجديد.
كل هذه الدلائل، جعلتني أرى في افتراضات فرويد أفكارا سلفية سبقها الزمن فتجاوزها ورفضها. العلم لا يقف ولا ينتظر. بل هو دائماً يفتش عن حلة جديدة وحقيقة ذات برهان يقف عليها ويقوى بها لأن العلم هو الحياة والحياة التي ترتكز على العلم تستمر وتبقى وتخلد بينما تسقط الأوهام وتضيع في متاهات الغمام.
التقمص حقيقة علمية عالمية (للأخصائي الدكتور أيان ستيفنسون) – راجع الضحى العدد 79 – أيلول 1998.
كيف تؤثر الأجيال السابقة في الجيل الحاضر؟
قال الأخصائي النفسي "جيردهام" إن مهمتنا التالية في طريق نمونا وتطورنا هي مهمة معرفة وتمييز مدى تأثير الفكر المتغلغل في المادة، ولقد بين في كتابه We Are One Another أن سبب اهتمامه بتجارب الأجيال الماضية هي لجهة تأثيراتها المرضية في الجيل الحاضر، كما تصادف في أثناء العمل على تحليل أسباب عدم استجابة تلك الأمراض للوسائل الطبية الحديثة، أن مردها هو تلك الكوامن الدفينة الضاغطة من حياة سابقة على حياتنا الحاضرة، هذه الاكتشافات تم التوصل إليها في الولايات المتحدة الأمريكية حديثاً وبدأت في الانتشار عبر المحيط. طريقة تأثيرها وعملها وصفها الأخصائي النفسي "موريس نذرتون" من "لوس أنجيلوس" بالتعاون مع زميلته "نانسي شيفرين"، وهو مؤسس معهد الوعي بالحيوات الماضية في كتابها وعنوانه "المعالجة بالأجيال الماضية".
يكتب "نذرتون" أنه يؤمن إيماناً قوياً مطلقاً في طاقة وقوة العقل الباطني، ليس فقط على التقاط أحداث من الأجيال الماضية فحسب، بل على مدى إمكانية تأثره بما يلتقطه من عوارض مرضية حادة، وهي التي تترك الناس في حال من الذهول والشك والريبة. كتب "نذرتون" أن مرضى عديدين يشككون بحقيقة التقمص لأنه لم يجر حتى الآن التأكد منها وإقرارها كحقيقة ثانية، وهو لا يجادل في ذلك ويقول: "إنه يشك فيها، لكن طالما أن هناك إمكانية لإجراء تجارب من أجل إثباتها وتأكيدها، يجب أن نأخذها بتجرد كفرضية ملائمة مريحة تترجم ترجمة منطقية، كيف أن أفراداً وهم في شبه غيبوبة يصبحون أشخاصاً آخرين يتكلمون وكأنهم يعيشون في قرن زماني آخر، أو حقبة زمانية أخرى ويأتون بإثباتات ودلائل، أو يتكلمون لغة غريبة ثم يقول: "ليس هدفنا إثبات حقيقة التقمص أو حقيقة تجارب التقمصات السابقة، هدفنا الحقيقي والمهم هو إثبات فعاليته أثناء استعماله كأداة في شفاء المريض من اضطرابات سلوكية نفسية اجتماعية".
أشرطة تسجيل بلوكسهام:
ربما تكون الأشرطة حالة معروفة عن تجارب جيل ماض، جرى استرجاعها تحت تأثير التنويم المغناطيسي، أجراها "أرنولد بلوكسهام" وهو معالج في التنويم المغناطيسي تلقى دراساته في كاترديف في مقاطعة ويلز، تحت التنويم صارت "جانز إيفانز" امرأة أخرى تدعى "ريبيكا" عاشت في "يورك" في القرن الثاني عشر وكانت إحدى ضحايا "البوجروم" في سنة 1189، فقد عاشت في سرداب مظلم تحت كاثيدرائية، ووجود مثل هذا السرداب كان مجهولاً لغاية قيام التليفزيون بتصوير برنامج تلفزيوني بريطاني وليس من الممكن أن تكون قد عرفته في هذا الجيل، وكان هذا أساساً لكتاب لـ "جيفري ايفرسون" المعنون بـ "أكثر من حياة واحدة".
More Lives Than One ومن وجهة نظرهم الخاصة ليس المهم أن كانت استعادة "جانز ايفانز" تجربتها المرعبة في أثناء التنويم المغناطيسي، هي نتيجة استعادة تجربة في أحد الأجيال الماضية فربما تكون كما يظن البعض انبثقت عن تخيلات ذاتية صادرة عن كوابيس حلمت بها والتصقت وتكثفت في عقلها الباطني، فهم يناقشون أن مشاعر مكبوتة أيا كان مصدرها، إن لم تستخرج من العقل الباطن قد تصبح سبباً مدمراً لحياتنا ويبين "موريس نذرتون"، كيف تظهر آثار العجلات أو آثار الحروق على جسد المريض أثناء استعادته صدمات قديمة من أجيال ماضية خلال التنويم المغناطيسي كما حدث لهؤلاء البريطانيين، الذين تبين أنهم "كاثاريون"، في حيواتهم السابقة، لاقوا حتفهم تحت التعذيب في المعتقلات بسبب انتمائهم لإحدى الجماعات الدينية المتصوفة الزاهدة. وفي أحيان كثيرة تظهر آثار الأجيال السابقة بشكل كوابيس مخيفة تتراقص على بحر الوعي، لكن تأثيرها السيء يزول فيما بعد كما يحصل في الكوابيس الليلية التي تزول آثارها في حالة الاستيقاظ. من هنا نرى مصدر كل ما هو مستعاد باطنياً أثناء العلاج بالتنويم المغنطيسي، غير مهم على الإطلاق سواء أكان مصدرها في حيوات ماضية أم خيالي بسبب كوابيس لا أساس لها من الصحة.
ليس المهم إثبات حدوث هذه التجارب المؤلمة أم لا، بل المهم فعلاً أن هناك أحداثاً موجودة في عقل المريض تظهر وتؤثر عليه في يقظته وفي أحلامه، وهدف هذه المعالجة إبرازها للوعي ليتم إدراكها، ثم إزالتها وإزاحتها.
يقول الكاتب "فيور" في مقدمة كتابه You Have Been Here Before (أنت أنوجدت هنا من قبل) إن "هدف هذا الكتاب هو تقديم نظرية التقمص والكارما للقارئ لكي يحاول أن يفهم لماذا نحن هنا وكيف نستطيع الارتقاء بأنفسنا. ليست مهمتي إقناع أي فرد بتغيير معتقداته في الماورائيات أو الأثير بأي طريقة على المعتقدات الدينية أو الروحية، ومن لديه تساؤلات عن هذا الموضوع فهذا الكتاب يفيدهم كثيراً أما التساؤلات من نوع: هل هناك تقمص وما هي خياراتنا إذا كانت لدينا خيارات؟ فهذا الكتاب يجيب عن تساؤلاتهم. الأحداث التي أرويها في هذا الكتاب ضرورية لفهم الكارما في مضمار السببية cause & effect كل امريء لديه كارما وهي حلقة متصلة وفهمنا واستيعابنا لهذه الكارما يجعل حياتنا أسهل، وهدفي من الكتاب مساعدة الإنسان على تفهم ما يفعله وبذلك يتجنب تكرار الأخطاء في الحاضر والمستقبل أي جيلاً بعد جيل. عندما أقوم بتنويم مغنطيسي لمريض أتوصل إلى فهم عميق لتصرفات الناس وأخلاقياتهم أكثر مما أحصل عليه من أي مصدر آخر. من حق القارئ أن يقبل أو أن يرفض هذه النظرية أي (التقمص والكارما) ومن حقي تنوير الناس بتأثيرات ما يقومون به طالما "إن أعمالكم ترد إليكم" أو "من يعمل مقدار ذرة خيراً يره، ومن يعمل مقدار ذرة شراً يره" بعد تصويب الرابطة الطبية الأميريكية السابقة للتنويم المغنطيسي في العام 1958 لتلك المعلومات الخاطئة عنه، كان لا بد من تغيير في المجال والاستفادة من هذا المجال العلاجي الرائع لفهم الحياة بشكل أفضل، كأن نأخذ أشياء ونعطي بدلاً عنها أشياء أخرى، المرء له ما له وعليه ما عليه. تجارب العديد في التنويم المغناطيسي قادتني إلى الإيمان المطلق بحقيقة التقمص والكارما ولم يكن لدي سابقاً أي إلمام بالمعتقدات الدينية الشرقية وتعاليم المعملين الكبار في الشرق أو في الماورائيات. ما توصلت إليه في هذا المضمار جاء من مساعدتي الدائمة للعديد من المرضى من أجل معرفة وفهم مصدر مخاوفهم وسلوكياتهم لكي يتم التخلص منها. لقد أعطتني التجارب ثقة بهذه الوسيلة العلاجية أي المعالجة بالأجيال الماضية Past Life Therapy. فإذا كان مصدر الخوف مثلاً من المرتفعات عند الإنسان سببه السقوط من مكان مرتفع في جيل مضى، فإن معيشته لهذه الصدمة مجدداً تحت التنويم المغناطيسي قد تخلصه من عقدة الخوف من المرتفعات، فهذا جيد لأن ما يهم هو مساعدة المريض. ما اعتدنا على تسميته بـ "الحظ" أو "القدر" في مفهومنا الغربي كلها مصطلحات غير دقيقة. إن حاضرنا هو نتيجة ماضينا والقدر هو ما أرسينا قواعده في أجيالنا الماضية. العدالة السماوية مطلقة، المعطيات والمواهب هي ما قد اكتسبناه وما نستحقه والتجارب المرة التي نعيشها هي دروس نتجاوز بها أخطاءنا السابقة للالتقاء بعد ذلك. إنه قانون الفعل وردة الفعل، إنه يعادل في المفهوم الإنجيلي القاعدة فكل تصرف يتضمن ضرراً أو إساءة للآخرين سوف نعاقب عليه عاجلاً أم آجلاً وبمقدار حجم الإساءة التي نعاقب عليه عاجلاً أم آجلاً وبمقدار حجم الإساءة التي تسببنا بها والمقصود من ذلك أن المرء قد منح حق الاختيار فنحن مخيرون. هناك دائماً حق الاختيار، إن الروح تنجذب للوالدين اللذين يمتلكان الجينات الوراثية والوضع الاجتماعي الذي يساعد النفس لتهيئة الأسس لتحقيق دروس الكارما والجينات العقلية أهم من الجينات البيولوجية في تصميم هيكلية ومقومات حياتنا. إضافة أن كل الدروس والأفعال الإنسانية مدونة في الذاكرة الكونية Acashic Records، هذه التسجيلات الكونية هي خلاصة ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا وهي مختزنة في عقلنا الباطني. قانون الثواب والعقاب يشمل دورة الكارما كلها وبذلك تحصل على سعادة ومعطيات وقدرات نسحبها من رصيدنا المصرفي في (الذاكرة الكونية). ملاحظة: لا توجد صدقة، بل عملية فعل ورد فعل، عملية ثواب وعقاب، أواصر المحبة لا تنفصم عراها وتتجاذب أرواح المحبين مع بعضها البعض وما يفسر أحيانا الحب من النظرة الأولى هو أنهم قد ارتبطوا معا في جيل أو أجيال سابقة.
يتابع الدكتور فيور Fiore: في غالبية الحالات التي تعاملت معها وجدت أن الحادث المسبب للموت مسؤول إلى حد ما عما يعانيه المريض من اضطرابات، مثلا السقوط من مكان مرتفع يسبب خوفاً من المرتفعات... الخ. عندما أعيد المريض إلى أجيال سابقة لكي يعايش صدمته العنيفة، يستنبط سبب مخاوفه وأعراضه (النفسية / الجسدية) psychosomatic وكذلك بعض الـ Obsession أو وساوس وأفكار متسلطة. مثلاً، سيدة لا تجرأ على ترك أولادها في البيت بمفردهم حتى بعد سن الرشد وسبب ذلك أنه في أحد الأجيال عادت إلى البيت لتجد أولادها مقتولين فسيطرت عليها عقدة الذنب جيلاً بعد جيل كما إن الشراهة والنهم المؤدي إلى السمنة الزائدة وجدته عند سيدتين وعند رجلين ماتوا في جيلين في مجاعات الحمية في هذا الجيل، ولكن تعاودهم الرغبة الشديدة في التهام كل ما يجدونه حتى ولو لم يستسيغوه وبمجرد أن يعيدوا معايشة المرحلة الصعبة تعود الأمور إلى طبيعتها وشهيتهم الزائدة تتلاشى بل كما وصفت إحدى السيدات إنها أصبحت تستطيع أن تختار ما تريد أن تأكله وتتناول ما تستسيغه فقط وتشعر بلذة الطعام ومن ثم أصبح وزنها طبيعياً. المريض يصاب بنوبة من البكاء والتشنج أثناء معايشة الصدمة، أو حتى بعد أن يستفيق من التنويم فهو يحتاج إلى التهدئة، لكن بعد أن يهدأ روعه بفضل التعليمات اللازمة من طبيبه يصبح على بينة من الأسباب الدفينة الغارقة (في البعد الزمني) فيعيها ويتجاوزها. الشيء الجميل في إعادة معايشة هذه الصدمات أن الألم الكبير لا يستمر إلا للحظات وفي بعض الحالات يتعرض المريض إلى نوع من الصدمة تفقده الإحساس بالإلم، لكن المريض، هنا، لا يصف الألم. بل يصف (جسده) الطيفي الذي يشعره بالإرتياح. وأجمل ما في هذه الجلسات أن المرضى يجدون أن مهاراتهم وهواياتهم وفنونهم تعود إلى أجيال سابقة. لمن الجميل أيضاً أن جميع المرضى من دون استثناء يتخلصون من شعورهم السلبي (العنصري)، عندما يكتشفون أنهم عاشوا أجيالاً في شتى القارات وفي ألوان مختلفة. الذات الإنسانية ليس لها جنسية أو لون إنها تولد في مكان يمكنها أن تتعلم داخله الدروس اللازمة لترتقي وتسمو، ومن الجدير بالذكر أيضاً أن المرء لا يعود يشعر بالخوف من الموت ويدرك أنه ليس هناك فناء، ويقول Fiore "إحدى مريضاتي أخبرتني أنها أثناء ولادة إبنها سمعت صوتاً يناجيها، يشرح لها لماذا نحن هنا؟ وما هو سبب وجودنا؟
الحقيقة أننا نعبر ممراً للعودة إلى الله وما دمنا نعيش في مضمار السببية "الكارما"، فنحن نتعرض لما يشبه الثواب والعقاب. حال موتنا أو مغادرتنا الجسد الترابي نراجع حياتنا أو جيلنا الذي يمر سريعاً كشريط مسجل ثم نعي ما هي الحسنات والسيئات في أفكارنا، أفعالنا، نوايانا، ميولنا، ندرك التقصيرات وكل أذية تسببنا بها للآخرين والتي يتقرر على ضوئها مصير تقلباتنا.
كما قال "إدغار غايس" (النبي النائم) "المهم هو ما نفعله في جيلنا الحاضر: "ما هي نسبة المحبة والمغفرة والوعي التي نصل إليها"، وقال أيضاً "إن المعاير الذي نقاس به بعد مغادرة الجسد هو مستوى ذبذباتنا التي ترتفع بشكل تصاعدي مع كل عمل خير ومحبة ومغفرة بينما معايير الجسد الترابي للأسف هي في نسبة الثراء، المركز، الوسامة، الجمال، الخ... أما في العوالم الأخرى فإن المعادلة هي في الحب / التسامح / الإستنارة... هذا ما يهم فقط.
التقمص والإضطرابات النفسية (معالجة رواسب العقل الباطني) – راجع الضحى العدد الواحد والسبعون (كانون الثاني 1998).
التقمص وتجارب عتبة الموت:
شكل الموت الهاجس الأكبر للبشرية منذ أن وجد الإنسان على سطح المعمورة. وهو مصدر الخوف الأعظم والرعب الجاثم دوماً فوق قلوب الأحياء، الذين يعتبرونه زوالاً وفناء وانتهاء للحياة. وللاعتقاد بالتقمص دور مهم في تبديد هذه المخاوف والهواجس التي تمتلكها وتؤرقنا. فقد ساهم هذا الاعتقاد في اختراق أبعاد أخرى لذواتنا ما وراء العالم المحسوس، سعياً وراء حقائق أسمى ومدارك أوسع تجلي غوامض القدر ومجريات الزمان.
وتعتبر ظاهرة "تجارب عتبة الموت" Near Death experience وما تتضمنه من م
 
أضف الرد إلى:
احسان عبيد

ربما كان النص أعلاه بغاية الأهمية .. أقول ربما لأنني لم أستوعب 80% منه ، وحبذا لو جاءت صياغته وتناوله بشكل مبسط .

لست حزينا لأن الناس لا تعرفني، و لكني حزين لأني لا اعرفهم" - كونفوشيوس
 
أضف الرد إلى:
سمير أبوطافش
السيد منهل نادر المحترم : حبّذا لو جزأت هذا النص إلى عدة نصوص لكي نتحصّل على فائدة أكبر وخاصة أننا نعيش عالم الومضة أقصد عالم ما فوق السرعة عدا الأحداث العاصفة بالمكان من هنا وهناك ..فكلما كان النص قصيرا كلما توقف عنده القارئ وتفحّصه بشكل أفضل,
وما قدمته لنا في غاية الأهمية وخاصة - وهنا أضم صوتي لصوت الأخ إحسان - أن الكثيرين منا- وأنا منهم - ليس مطلعا عن كثب على المسائل التوحيدية ... وما قلته مجرد رأي ..
مع تحياتي الطيبة لك
 
أضف الرد إلى:
غفران سليمان عربي
أستاذ منهل نادرالمحترم : قرأت نصك بدقة متناهية ..أشكرك جدا جدا ..وانتظر المواضيع القادمة ..وبالتسلسل الذي أوردته حضرتك ...موضوعك يقسم الى ثلاث اقسام حسب مارايت
اولها روعة الحكمة وضرورة معرفتنا لماهيتها ...وثانيها لا روح بدون جسد وبالتالي التقمص ضرورة وحقيقة ..وبالتالي ..لاخوف من الموت ....

. .أما بالنسبة لموضوعك الأول ..الذي هو المبدأ الأول في التوحيد ...وهو التقمص ...كنت قد قرأت في موضوع التقمص ..لإيماني المطلق به ....وما أستطيع أن أصل اليه بقناعة كاملة من داخلي ومن خلال ماقرأت سابقا في الصحيفة الثانية للعظيم شئت وما استطعت فهمه منها ايضا ...باختصار هو التالي :..
المعقولات طبعا لا تعرف سوى بالمحسوسات ....ولما كان الخلق مخلوقين جهالا ...لايعرفون الا بموثوق ...ومعروف أوجبت الحكمة الالهية ظهور الصورة تأنسيا وتقريبا للأفهام ...يعني ظهور الروح بالجسد وبالتالي المعاني الروحية ظهرت في الصور المرئية ...فالروح خالدة والأجسام متبدلة ..وإن الملائكة التي طالما ظننا انها اراحا مجردة او مجنحة في مكان ما في السماء كانت دوما أشخاصا مجسدة على الأرض ..وهي مازالت حتى الساعة تلعب دورا هاما في ابراز الحقيقة لنظرنا أو حجبها عنا ...واخضاع كياننا لمزيد من المعاناة ....
واثبات عدم وجود الروح سابحة في الفضاء أو في الجنة او غيرها .كما توهمنا .....ناتج عن فهمنا لمثلث الحكمة ...وبالتالي ايماننا الكامل أن الروح لا تكون سوى ضمن جسد مادي ....فمثلث الحكمة هو ...
(آدم الصفاء ..وهو العقل الكلي فينا .......وأخنوع الوفاء ..وهو النفس الكلية ......وشئت وهو الكلمة ..)
وشئت هو صلة الوصل بين العقل الكلي والنفس الكلية وتجليها في الصورة الآدمية ..تماما كما يتجلى ما في الذهن ... عبر الكلمة للخارج .!!!
..وبالتالي لا تكون الروح الا ضمن جسد مادي كما لا يُرَ ضوء الكهرباء إلا في اللمبة ....وتتالي الاجيال وانتقال الروح الواحدة ..بمسألة التقمص اقرار بالعدالة الكونية الإلهية ..حتى ترتقي الروح عبر أجيالها وفي اجساد وظروف مختلفة ......وتحاسب ..حسب مقتضياتها بالسعادة او التعاسة الداخلية ....بعيدا عن مفهوم الجنة والنار والعقاب والثواب الماديين اللذين كثيرا ما بنتظرهما البشر ..وانتظارهما هو عقاب تصبح فيه الحياة جحيم...لأنه عمليا افتقار للرؤية الحقيقية لواقع الخلق ..
أخي الكريم منهل ..أجدد شكري وعسى أن أكون وفقت فيما افهمه من بعض الأمور وفيما اقتنع به ...
كل التقدير والاحترام

للرحيل لغة حضور تسكن دوما في مساحات النقاء عند القلوب المتعبة بالحب
 
أضف الرد إلى:


شارك بهذا الموضوع
الرابط:
كود المنتديات BBcode:
كود HTML:
الانتقال إلى:
 وقت التحميل: 0.16 ثانية - الاستعلامات: 76 Theme Designed by AYNA Corporation, Syria الزيارات غير المكررة: 16,884,077